انتهت ولاية كوريا الجنوبية كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الأربعاء، بعد عامين من العضوية شهدت خلالهما تحركات دبلوماسية بارزة وتصويتًا ملحوظًا لصالح منح فلسطين حق العضوية الكاملة. وقد اختارت سيئول في يونيو 2023 للانضمام إلى المجلس للفترة 2024-2025، إلى جانب دول الجزائر وسيراليون وغيانا وسلوفينيا.
وبانتهاء هذه الفترة، تعود كوريا الجنوبية إلى صفوف الدول الأعضاء العادية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في يناير القادم. يذكر أن مجلس الأمن يتألف من خمسة أعضاء دائمين، وعشرة أعضاء غير دائمين يتم انتخابهم لمدة عامين، مع تجديد المقاعد بشكل سنوي.
دور كوريا الجنوبية في مجلس الأمن: التركيز على الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي
خلال فترة عضويتها، سعت كوريا الجنوبية إلى تعزيز دورها في القضايا الأمنية العالمية، مع التركيز بشكل خاص على التهديدات الناشئة. تولت سيئول رئاسة المجلس في شهري يونيو وسبتمبر، واستغلت هذه الفرصة لعقد نقاشين رفيعي المستوى حول موضوعين حيويين: تهديدات الفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي والسلام والأمن الدوليين.
وقد حظي النقاش حول الذكاء الاصطناعي باهتمام خاص، حيث أشار محللون إلى أنه يعكس سعي كوريا الجنوبية لإبراز مكانتها كقوة رائدة في مجال التقنيات الحديثة، ورغبتها في المساهمة بشكل استباقي في معالجة التحديات الأمنية المحتملة المرتبطة بهذا المجال. ترأس الرئيس لي جيه-ميونغ ذاته إحدى جلسات هذا النقاش، مما يؤكد أهمية الموضوع بالنسبة لسول.
مواقف كوريا الجنوبية من القضايا الإقليمية والدولية
بالإضافة إلى تلك المبادرات، شاركت كوريا الجنوبية بفعالية في مناقشات مجلس الأمن المتعلقة ببرامج كوريا الشمالية الصاروخية وإطلاقها لأقمار التجسس العسكرية. وتضافرت جهودها مع الأعضاء الآخرين المنتخبين لإجراء مراجعة شاملة لمستقبل بعثات الأمم المتحدة في المناطق التي تشهد تعقيدات أمنية.
ومع ذلك، أثارت خطوة التصويت لصالح منح فلسطين مسارا نحو العضوية الكاملة في الأمم المتحدة جدلاً واسعاً. وصفتها بعض المراقبين بأنها تحول ملحوظ في السياسة الخارجية الكورية الجنوبية، التي كانت تقليديًا أقرب إلى الموقف الأمريكي في هذا الشأن.
وبررت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية هذا التصويت بأنه يعكس دعمها الراسخ لحل الدولتين كإطار وحيد لتحقيق سلام دائم وشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وأكدت الوزارة في بيان لها أن هذا التصويت لا يشكل اعترافًا ثنائيًا بدولة فلسطين في الوقت الحالي، بل هو تعبير عن موقف مبدئي تجاه القضية الفلسطينية. (وفقاً لوكالة يونهاب).
التأثير الدبلوماسي واستراتيجية كوريا الجنوبية في الأمم المتحدة
يعتبر تصويت كوريا الجنوبية بشأن فلسطين تجسيدًا لسياسة أكثر استقلالية في الأمم المتحدة، خاصةً في ظل التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين. وتسعى كوريا الجنوبية إلى لعب دور أكثر فاعلية في المنظمة الدولية، من خلال تعزيز علاقاتها مع مختلف الدول الأعضاء، وتقديم مبادرات بناءة لمعالجة القضايا العالمية المعقدة. وسبق أن شغلت كوريا الجنوبية مقعداً في مجلس الأمن خلال فترتين سابقتين، هما 1996-1997 و 2013-2014.
وفي سياق آخر، تتصاعد الجهود الدبلوماسية الكورية الجنوبية لتعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة التهديدات السيبرانية. وقد أظهرت التجربة خلال فترة رئاستها لمجلس الأمن أن هناك حاجة ماسة إلى وضع آليات فعالة لمواجهة الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للدول، وحماية حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي.
كما تولي سيئول اهتماماً كبيراً بتأثير الذكاء الاصطناعي على الأمن والسلم الدوليين. وتدعو إلى وضع معايير أخلاقية وقانونية تنظم استخدام هذه التقنية، وتمنع استغلالها في أغراض ضارة. ويعتقد مسؤولون كوريون جنوبيون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لتحقيق السلام والتنمية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يشكل تهديدًا كبيرًا إذا لم يتم التعامل معه بحذر ومسؤولية.
مع انتهاء ولايتها في مجلس الأمن، ستواصل كوريا الجنوبية المشاركة الفعالة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وستعمل على تعزيز التعاون مع الدول الأخرى في مختلف المجالات. من المتوقع أن تستمر سول في التركيز على قضايا الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دعمها لحل الدولتين في قضية فلسطين. ستراقب الجهات المعنية عن كثب ما إذا كانت كوريا الجنوبية ستحافظ على هذا المسار الأكثر استقلالية في تصويتها ومبادراتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة في المستقبل، خاصةً في ظل التغيرات الجيوسياسية المستمرة.