يشهد قطاع التمويل الإسلامي العالمي نمواً مطرداً، حيث من المتوقع أن تتجاوز أصوله 6 تريليونات دولار أمريكي مع مطلع عام 2026. ويعزى هذا الزخم إلى التوسع الملحوظ في مختلف مجالات القطاع، بما في ذلك البنوك الإسلامية، وأسواق رأس المال المتوافقة مع الشريعة، وصناعة التأمين التكافلي، والابتكارات المتسارعة في مجال التكنولوجيا المالية الإسلامية. ويشمل هذا النمو مناطق رئيسية في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، بالإضافة إلى تزايد الاهتمام في الأسواق الغربية.
تتوقع التقارير المتخصصة أن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي خلال السنوات القليلة القادمة، مدفوعاً بالطلب المتزايد على المنتجات والخدمات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ويساهم في هذا النمو أيضاً، ارتفاع الوعي بالمبادئ الأخلاقية للتمويل الإسلامي، والبحث عن بدائل استثمارية مستدامة ومسؤولة اجتماعياً.
النمو القوي في قطاع التمويل الإسلامي: نظرة عن قرب
يشهد قطاع التمويل الإسلامي تطورات متسارعة على مستوى عالمي. ووفقاً لتقارير حديثة صادرة عن مؤسسة (Islamic Corporation for the Development of the Private Sector – ICD) التابعة لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، فإن حجم الأصول الإسلامية في عام 2023 تجاوز 5.6 تريليونات دولار أمريكي. وتشير التوقعات إلى أن هذا الرقم يرتفع بمعدل سنوي مركب يتراوح بين 8% و 10% حتى عام 2026.
محركات النمو الرئيسية
تتعدد العوامل التي تدفع نمو قطاع التمويل الإسلامي. يعتبر الطلب المتزايد من السكان المسلمين، الذين يمثلون حوالي ربع سكان العالم، عاملاً رئيسياً. بالإضافة إلى ذلك، يجذب هذا القطاع أيضاً المستثمرين غير المسلمين الذين يبحثون عن بدائل استثمارية أخلاقية.
إحدى الميزات الهامة للتمويل الإسلامي هي تركيزه على العدالة والمساواة وتجنب الربا (الفوائد) والمضاربة. وهذا يتماشى مع تزايد الاهتمام بالاستثمار المسؤول والمستدام، المعروف أيضاً باسم الاستثمار ESG (البيئي والاجتماعي والحوكمة). ونتيجة لذلك، يشهد القطاع تطوراً في المنتجات المالية التي تركز على هذه الجوانب.
مكونات القطاع وأدائها
يشمل قطاع التمويل الإسلامي عدة مكونات رئيسية، ولكل منها مساهمته في النمو العام.
تشكل البنوك الإسلامية الجزء الأكبر من القطاع، حيث تقدم مجموعة متنوعة من الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة، مثل المرابحة والمضاربة والإجارة. وتشير البيانات إلى أن إجمالي أصول البنوك الإسلامية بلغ حوالي 3.8 تريليونات دولار أمريكي في عام 2023، وتستمر في التوسع في أسواق جديدة.
تعتبر أسواق رأس المال الإسلامية مكوناً هاماً آخر، حيث تتيح إصدار وتداول السندات والصكوك المتوافقة مع الشريعة. وقد شهدت هذه الأسواق نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالطلب المتزايد على أدوات التمويل طويلة الأجل.
صناعة التأمين التكافلي (الإسلامي) تشهد أيضاً نمواً قوياً، حيث تقدم بدائل تأمينية متوافقة مع مبادئ الشريعة. وتعتمد التكافل على نظام “التبرع” بدلاً من “العقد” التقليدي، مما يجعلها أكثر قبولاً لدى بعض المجتمعات.
أما قطاع التكنولوجيا المالية الإسلامية (Islamic FinTech) فهو أسرع الأجزاء نمواً في القطاع، حيث يقدم حلولاً مبتكرة للخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة، مثل المنصات التمويلية الرقمية وتطبيقات الاستثمار الإسلامي. يعمل هذا القطاع على زيادة الشمول المالي وتوفير خدمات أكثر كفاءة وراحة للمستخدمين.
التحديات والفرص المستقبلية
على الرغم من النمو القوي، يواجه قطاع التمويل الإسلامي بعض التحديات. من بين هذه التحديات، نقص المعايير الرقابية الموحدة، وتعقيد بعض المنتجات المالية الإسلامية، ونقص الكفاءات المتخصصة. يعمل البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسات الأخرى على تطوير معايير موحدة لتعزيز الثقة والشفافية في القطاع.
ومع ذلك، هناك أيضاً فرص كبيرة للنمو في المستقبل. تتمثل إحدى هذه الفرص في التوسع في أسواق جديدة، مثل الأسواق الأفريقية والآسيوية التي تشهد نمواً اقتصادياً سريعاً وعدد سكان مسلم كبير. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للقطاع الاستفادة من التطورات التكنولوجية لتقديم خدمات أكثر ابتكاراً وكفاءة. الاستثمار الشرعي يفتح آفاقاً واسعة.
تشير التقارير إلى أن الحكومات في بعض البلدان، مثل ماليزيا وإندونيسيا، تدعم نمو التمويل الإسلامي من خلال توفير حوافز ضريبية وتسهيلات تنظيمية. وتهدف هذه الجهود إلى جعل هذه البلدان مراكز إقليمية للتمويل الإسلامي. ويتزايد أيضاً الاهتمام بالاستثمار في البنية التحتية المتوافقة مع الشريعة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة والنقل المستدام.
من المتوقع أن تتزايد الجهود المبذولة لتوحيد المعايير الشرعية للمنتجات المالية الإسلامية المختلفة. وهذا يهدف إلى تعزيز الشفافية واليقين الشرعي، وبالتالي زيادة ثقة المستثمرين والمستهلكين. بالإضافة إلى ذلك، قد نشهد المزيد من التعاون بين المؤسسات المالية الإسلامية والتقليدية لتقديم حلول تمويلية مبتكرة.
بشكل عام، يُظهر قطاع التمويل الإسلامي قدرة كبيرة على النمو والتطور في السنوات القادمة. ولكن، سيتطلب تحقيق هذا النمو معالجة التحديات القائمة والاستفادة من الفرص المتاحة. ومن المهم مراقبة التطورات التنظيمية والشرعية والتكنولوجية في هذا القطاع لتقييم تأثيرها على النمو المستقبلي.
من المنتظر صدور تقرير مفصل من مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) في الربع الأول من عام 2026 يقدم تقييماً شاملاً لأداء القطاع وتوقعاته المستقبلية. وستشكل نتائج هذا التقرير نقطة مرجعية هامة للمستثمرين والجهات التنظيمية والعاملين في القطاع. تبقى التطورات الجيوسياسية والتحديات الاقتصادية العالمية عوامل رئيسية قد تؤثر على مسار النمو.