يشهد سوق الذهب حالياً اهتماماً متزايداً، حيث يتوقع خبراء الاقتصاد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار خلال السنوات القادمة. ووفقاً لتحليلات جولدمان ساكس، فإن الذهب هو السلعة المفضلة للاستثمار طويل الأجل حالياً، مع توقعات بوصوله إلى 4,900 دولار للأوقية بحلول ديسمبر 2026. ويعزى هذا الارتفاع المتوقع إلى زيادة الطلب من قبل البنوك المركزية والقطاع الرسمي، مما يعزز مكانة الذهب كأصل آمن.
يأتي هذا التوقع في ظل تقلبات اقتصادية عالمية وتوترات جيوسياسية متصاعدة، مما يدفع المستثمرين والجهات الحكومية نحو الملاذات الآمنة. وتشير البيانات إلى أن البنوك المركزية قد تشتري ما يقرب من 70 طناً من الذهب شهرياً في العام المقبل، وهو ما يمثل زيادة ملحوظة مقارنة بمستويات ما قبل عام 2022. ويساهم هذا الاتجاه في تعزيز الطلب على الذهب ودفع أسعاره إلى الأمام.
توقعات ارتفاع أسعار الذهب: عوامل الطلب وتأثير البنوك المركزية
إن توقعات ارتفاع أسعار الذهب ليست مجرد تخمين، بل تستند إلى تحليل دقيق لعوامل العرض والطلب في السوق. يعتبر الطلب من البنوك المركزية المحرك الرئيسي المتوقع للنمو، حيث تسعى هذه المؤسسات إلى تنويع احتياطياتها من العملات وتقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي.
تزايد مشتريات البنوك المركزية
أظهرت تقارير مجلس الذهب العالمي اتجاهاً تصاعدياً في مشتريات البنوك المركزية السنوية، حيث اقتربت أو تجاوزت 1,000 طن في السنوات الأخيرة. يأتي هذا التوجه بشكل خاص من الأسواق الناشئة التي تبحث عن بدائل للدولار في التجارة الدولية واحتياطياتها.
بالإضافة إلى ذلك، لا يقتصر الطلب على الذهب على البنوك المركزية فقط. فالقطاع الرسمي، والذي يشمل المؤسسات الحكومية والصناديق السيادية، يُظهر أيضاً اهتماماً متزايداً بالذهب كجزء من استراتيجيات إدارة الأصول الخاصة به. يُعتقد أن هذا الطلب سيستمر في النمو في السنوات القادمة.
على الرغم من ارتفاع الأسعار، هناك عوامل أخرى تدعم استمرار جاذبية الذهب. وتتضمن هذه العوامل التضخم المتزايد وتقلبات أسعار الفائدة، بالإضافة إلى المخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
ومع ذلك، لا تخلو هذه التوقعات من بعض المخاطر والتحديات. قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى تقليل جاذبية الذهب، خاصةً بالنسبة للمستثمرين الذين يبحثون عن عائدات مجدية. كما أن قوة الدولار الأمريكي قد تمثل ضغطاً على أسعار الذهب.
تأثير التنويع بعيداً عن الدولار الأمريكي
تُعتبر رغبة العديد من الدول في تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، خاصةً في التجارة الدولية، عاملاً مهماً في زيادة الطلب على الذهب. تسعى هذه الدول إلى تنويع احتياطياتها من العملات لحماية اقتصاداتها من التقلبات المحتملة في قيمة الدولار.
كما أن استخدام الذهب كأداة للتحوط ضد التضخم يساهم في زيادة الطلب عليه. ففي فترات التضخم، يميل المستثمرون إلى اللجوء إلى الأصول الآمنة مثل الذهب للحفاظ على قيمة أموالهم.
وتجدر الإشارة إلى أن العرض من الذهب محدود نسبياً، مما يعني أن أي زيادة في الطلب يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، قد يؤدي اكتشاف مناجم جديدة أو تحسين تقنيات استخراج الذهب إلى زيادة العرض وتخفيف الضغط على الأسعار.
يساهم أيضاً الاستثمار في الذهب من قبل الأفراد في زيادة الطلب الكلي. سواء من خلال شراء السبائك أو العملات الذهبية، أو من خلال الاستثمار في صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs)، فإن الأفراد يلعبون دوراً مهماً في تشكيل ديناميكيات سوق الذهب.
ينظر بعض المحللين إلى الذهب كـ “أصل ملاذ آمن” تقليدي، مما يعني أنه يميل إلى الاحتفاظ بقيمته أو حتى الارتفاع في قيمته خلال فترات الأزمات الاقتصادية أو الجيوسياسية. وهذا الاعتقاد يعزز جاذبية الذهب للمستثمرين في أوقات عدم اليقين.
إن توقع ارتفاع أسعار الذهب يثير تساؤلات حول تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي. فمن ناحية، قد يؤدي ارتفاع أسعار الذهب إلى زيادة تكاليف الإنتاج للمصنعين الذين يستخدمون الذهب في منتجاتهم. ومن ناحية أخرى، قد يستفيد المنتجون والمستثمرون في الذهب من ارتفاع الأسعار. الاستثمار في الذهب يتزايد مع تزايد المخاوف الاقتصادية.
في الختام، تشير التوقعات الحالية إلى أن الذهب قد يشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار خلال السنوات القادمة، مدفوعاً بشكل رئيسي بالطلب المتزايد من البنوك المركزية والقطاع الرسمي. ومع ذلك، يجب مراقبة العوامل المؤثرة في العرض والطلب، مثل أسعار الفائدة وقيمة الدولار الأمريكي، لتقييم مدى صحة هذه التوقعات. من المتوقع صدور المزيد من التحليلات والتحديثات حول سوق الذهب في الأشهر القادمة، خاصةً مع اقتراب موعد استحقاق توقعات جولدمان ساكس في ديسمبر 2026، مما سيتطلب إعادة تقييم شامل للوضع.