أظهرت دراسة حديثة الصلة القوية بين النشاط البدني المنتظم وتقليل خطر الإصابة بـ سرطان الأمعاء، حيث وجد الباحثون أن مجرد جلسة تمارين قصيرة يمكن أن تحدث تغييرات جزيئية إيجابية في الجسم. وقد أجريت الدراسة من قبل علماء في جامعة نيوكاسل، ونشرت نتائجها مؤخرًا، مسلطة الضوء على الآليات البيولوجية التي قد تفسر هذا التأثير الوقائي الملحوظ.
شارك في الدراسة 30 رجلاً يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، ولكنهم يتمتعون بصحة جيدة بشكل عام. قام الفريق بجمع عينات دم من المشاركين قبل وبعد ممارسة تمارين خفيفة، مثل ركوب الدراجة لمدة تتراوح بين 10 و12 دقيقة. كشفت التحاليل عن ارتفاع كبير في مستويات 13 بروتينًا مختلفًا في مصل الدم بعد التمرين.
تأثير التمارين على وظائف الجسم والوقاية من سرطان الأمعاء
وفقًا للباحثين، هذه البروتينات تلعب دورًا حاسمًا في العديد من الوظائف الحيوية، بما في ذلك تقليل الالتهابات في الجسم. بالإضافة إلى ذلك، فقد تبين أنها تحسن كفاءة الدورة الدموية ووظائف الأوعية الدموية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تساهم هذه البروتينات أيضًا في تنظيم عمليات التمثيل الغذائي بشكل عام، مما يعزز صحة الجسم بشكل شامل.
التغييرات الجينية في الخلايا السرطانية
الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو ما حدث عند تعريض خلايا سرطان الأمعاء في المختبر لـ “مصل نشط” تم جمعه بعد ممارسة التمارين. لوحظ تغيير في نشاط ما مجموعه 1364 جينًا داخل الخلايا السرطانية، والذي شمل جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي التالف، وعمليات إنتاج الطاقة الخلوية، وتنظيم نمو هذه الخلايا.
يشرح الدكتور سام أورانج، الباحث الرئيسي في الدراسة والمحاضر الأول في فسيولوجيا التمرين السريري بجامعة نيوكاسل، أن التمرين لا يفيد الأنسجة السليمة فحسب، بل يرسل إشارات قوية عبر مجرى الدم يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على آلاف الجينات داخل الخلايا السرطانية. هذه النتيجة تقدم تفسيرًا ميكانيكيًا محتملًا للدور الوقائي المعروف للنشاط البدني ضد هذا النوع من السرطان.
تأتي هذه الدراسة في وقت تحذر فيه المنظمات الصحية العالمية من الزيادة المطردة في معدلات الإصابة بـ الأورام الخبيثة، بما في ذلك سرطان الأمعاء. وتشير الإحصائيات إلى أن تغييرات نمط الحياة، مثل قلة النشاط البدني والنظام الغذائي غير الصحي، تساهم بشكل كبير في هذه الزيادة.
من ناحية أخرى، تدعم جينيفيف إدواردز، الرئيسة التنفيذية لجمعية سرطان الأمعاء بالمملكة المتحدة، هذه النتائج، مؤكدة أن الأبحاث الواسعة تظهر بالفعل أن الأفراد الأكثر نشاطًا بدنيًا تقل لديهم مخاطر الإصابة بسرطان الأمعاء وأنواع أخرى متعددة من السرطان. وشددت على أهمية ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني المعتدل أسبوعيًا، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجات أو السباحة.
وينبغي الدمج مع ذلك نمط حياة صحي يشمل نظامًا غذائيًا غنيًا بالألياف والحفاظ على وزن صحي، ليكون بمثابة أفضل استراتيجية وقائية شاملة ضد هذا المرض. في هذا السياق، تعتبر التغذية الصحية جزءًا لا يتجزأ من الوقاية من السرطان وتقليل خطر الإصابة به.
وأضافت إدواردز أن هذه النتائج تعزز الرسالة القائلة بأن تغييرات بسيطة في نمط الحياة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في صحة الفرد ورفاهيته. فهذه التغييرات الخفيفة مثل إضافة نشاط رياضي يومي حيث أن ممارسة الرياضة يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي كبير ليس فقط على الصحة البدنية ولكن أيضًا على الصحة النفسية والعاطفية.
تفتح هذه الدراسة آفاقًا جديدة للبحث والعلاج. فقد يتم تطوير علاجات في المستقبل تحاكي أو تعزز التأثيرات البيولوجية الإيجابية للتمرين، مما قد يؤدي إلى تحسين نتائج علاج مرضى السرطان. تشير التقارير إلى أن هناك اهتمامًا متزايدًا بدمج استراتيجيات تعزيز النشاط البدني في خطط الرعاية الصحية الشاملة للمرضى.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث التي تهدف إلى فهم الآليات المعقدة التي تربط بين النشاط البدني والوقاية من السرطان. كما يتوقع أن تدرس هذه الأبحاث تأثير أنواع مختلفة من التمارين وشدتها ومدتها على الاستجابة الجينية للخلايا السرطانية. من الضروري متابعة هذه التطورات لتقييم إمكانية تطبيقها في الممارسة السريرية.