أعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن انخفاض ملحوظ في الدين العام، مؤكداً أن الدولة دخلت بالفعل في “مسار تنازلي واضح”. يأتي هذا الإعلان في ظل جهود حكومية مكثفة لإدارة الدين العام وتقليل أعبائه على الاقتصاد المصري، مع توقعات بمزيد من التحسن في السنوات القادمة.
وخلال مؤتمر صحفي للحكومة، أوضح مدبولي أن هذا التراجع يمثل خطوة هامة نحو تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، مما يتيح للحكومة توجيه المزيد من الاستثمارات نحو القطاعات الحيوية. وتشمل هذه القطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، بالإضافة إلى المشروعات القومية الكبرى مثل “التأمين الصحي الشامل” و”حياة كريمة”.
مسار انخفاض الدين العام في مصر
شهد الدين العام المصري ارتفاعاً كبيراً في السنوات الأخيرة، حيث بلغ حوالي 96-97% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023-2024. ويعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، بما في ذلك الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، والصدمات الخارجية مثل جائحة كوفيد-19 والتوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الفائدة عالمياً.
بدأ اتجاه الانخفاض في الدين العام مع بداية العام المالي 2024-2025، مدفوعاً بشكل كبير ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي. تضمن هذا البرنامج خطوات حاسمة مثل تعويم الجنيه المصري، ورفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم، وتوسيع القاعدة الضريبية، بالإضافة إلى برنامج بيع الأصول الحكومية.
دور الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية
بالإضافة إلى برنامج صندوق النقد الدولي، ساهمت صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الكبرى في تحسين الوضع المالي للدولة. تعتبر صفقة رأس الحكمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً بارزاً على هذه الصفقات، حيث أدت إلى تدفق كبير من العملة الأجنبية إلى مصر.
ووفقاً لبيانات وزارة المالية المصرية وتقارير وكالات التصنيف الائتماني الدولية مثل ستاندرد آند بورز، انخفض الدين العام تدريجياً ليصل إلى حوالي 84-90% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. وتشير التوقعات الرسمية إلى استمرار هذا الانخفاض ليصل إلى 80% أو أقل بحلول نهاية يونيو 2026.
وتتوقع الحكومة المصرية أن يستمر هذا المسار التنازلي ليصل إلى 79% في عام 2026-2027، ثم إلى 75% بحلول عام 2028-2029، وصولاً إلى 68-72% بحلول عام 2030. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يعتمد على استمرار النمو الاقتصادي بمعدل يزيد عن 5% سنوياً، وزيادة حجم الصادرات، وتقليل الاعتماد على الاقتراض غير الميسر.
من المتوقع أن يؤدي انخفاض أسعار الفائدة إلى تخفيف أعباء خدمة الدين على المدى المتوسط، مما يوفر مساحة مالية أكبر للحكومة لتمويل الاستثمارات العامة والاجتماعية. هذا التحسن في المؤشرات المالية من شأنه أيضاً أن يعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري، ويساهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتشير بعض التحليلات إلى أن إدارة السياسة المالية بشكل فعال، وتنويع مصادر الإيرادات، وتحسين مناخ الاستثمار، هي عوامل أساسية لضمان استدامة هذا المسار التنازلي للدين العام. كما أن التركيز على تعزيز القطاع الخاص ودوره في النمو الاقتصادي يعتبر أمراً بالغ الأهمية.
في سياق متصل، أكد مدبولي أن الدولة المصرية حققت إنجازات كبيرة في ملف الدين العام على الرغم من التحديات العالمية المتتالية. وأشار إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والسياسات المالية الصارمة ساهمت في تحقيق نمو اقتصادي تجاوز المستهدف في بعض الفترات، مع ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 35% في الربع الأول من العام المالي الحالي دون فرض أعباء إضافية على القطاع الخاص.
الخطوة التالية المتوقعة هي استمرار الحكومة في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، والتركيز على زيادة الصادرات وتنويع مصادر الدخل القومي. كما يجب مراقبة تطورات الاقتصاد العالمي وتأثيرها على الدين العام المصري، بالإضافة إلى تقييم أداء الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وستكون البيانات الاقتصادية الصادرة في الربع الثاني من عام 2026 حاسمة في تحديد ما إذا كانت مصر على المسار الصحيح لتحقيق هدفها بخفض الدين العام إلى 80% أو أقل.