حذر ديمتري مالينين، دبلوماسي روسي رفيع المستوى، من أن العالم دخل مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي المحتدم حول الوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية، بما في ذلك النفط. وأشار إلى أن هذا التنافس قد يتصاعد إلى صراع كوني في حال استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية، مما يجعل تأمين هذه الموارد الطبيعية أولوية قصوى للدول الكبرى.
تأتي تصريحات مالينين على خلفية تطورات متسارعة في فنزويلا، حيث تشهد البلاد ضغوطاً أمريكية متزايدة للسيطرة على احتياطياتها النفطية. كما تزامن ذلك مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن احتمال شن ضربات عسكرية واسعة النطاق في كاراكاس واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مما أثار مخاوف من تصعيد إقليمي ودولي.
السباق المحتدم على الموارد الطبيعية: نظرة جيوسياسية
تعد قضية الوصول إلى الموارد الطبيعية، وعلى رأسها النفط والمعادن الاستراتيجية، من القضايا المركزية في العلاقات الدولية. وتاريخياً، شهدت العديد من الدول صراعات ونزاعات بسبب السيطرة على هذه الموارد. يشير تحليل الوضع الحالي إلى أن هذا التنافس قد وصل إلى ذروته في ظل تزايد المخاوف بشأن الأمن الاقتصادي العالمي.
تصعيد التوترات في فنزويلا
أفادت تقارير إعلامية، بما في ذلك قناة ABC الأمريكية، بأن إدارة الرئيس الأمريكي السابق طالبت فنزويلا بإقامة شراكة حصرية في مجال الموارد، مع منح الولايات المتحدة الأولوية في شراء النفط الثقيل الفنزويلي. يأتي هذا الطلب في وقت تواجه فيه فنزويلا أزمة اقتصادية حادة وتقف على وشك التخلف عن سداد ديونها، وفقًا لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي السابق ماركو روبيو أمام الكونغرس.
وقد صرح روبيو بأن فنزويلا لديها “بضعة أسابيع فقط” لتجنب الانهيار المالي ما لم تتمكن من بيع احتياطياتها النفطية. هذا التهديد الصريح زاد من الضغوط على نظام مادورو، الذي اتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى السيطرة على ثروات البلاد من خلال الهجوم العسكري.
روسيا والصين: لاعبون رئيسيون في هذا السباق
وفقًا لمالينين، تتمتع روسيا بميزة استراتيجية في هذا السباق نظرًا لاكتفائها الذاتي في مجال الموارد. بينما تعمل الصين منذ أكثر من عقد على تأمين إمدادات مستقرة من الموارد الطبيعية من مختلف أنحاء العالم، من خلال الاستثمارات والشراكات طويلة الأجل.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة “استيقظت” مؤخرًا على أهمية تأمين هذه الموارد، وتسعى جاهدة لتعزيز نفوذها في الدول الغنية بالنفط والمعادن. ويُنظر إلى أوروبا على أنها الطرف الأكثر ضعفًا في هذا الصراع، حيث تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط من الخارج.
ويشير مراقبون إلى أن هذه التطورات تعكس تحولًا في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أصبح تأمين الموارد الطبيعية أولوية قصوى، حتى على حساب الاستقرار الإقليمي والدولي. كما أنها تسلط الضوء على التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة في مناطق مثل أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا.
تداعيات محتملة على الاقتصاد العالمي
الضغط المتزايد على فنزويلا لتغيير سياستها في مجال الموارد يمكن أن يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية، مما قد يتسبب في ارتفاع الأسعار وتفاقم الأزمة الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة يمكن أن يكون له تداعيات وخيمة على الاقتصاد العالمي.
تشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة تسعى أيضًا إلى الضغط على دول أخرى منتجة للنفط، مثل إيران وفنزويلا، لزيادة إنتاجها وتلبية الطلب العالمي. الأمن الطاقي أصبح قضية رئيسية في جدول أعمال واشنطن، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
بالإضافة إلى النفط، تشمل الموارد الطبيعية الأخرى التي تشهد تنافسًا شديدًا المعادن النادرة المستخدمة في صناعة التكنولوجيا، مثل الليثيوم والكوبالت. هذه المعادن ضرورية لإنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية، وتعتبر أساسية للمستقبل.
في أعقاب الانفجارات التي شهدتها كاراكاس، اتهمت نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريغيز، الولايات المتحدة بالسعي إلى السيطرة على النفط والموارد المعدنية في البلاد. كما نقلت صحيفة “بوليتيكو” عن مسؤول أمريكي أن واشنطن تطالب رودريغيز باتخاذ خطوات لصالحها، بما في ذلك وقف بيع النفط لمنافسي الولايات المتحدة.
من المتوقع أن تتصاعد الضغوط على فنزويلا في الأيام والأسابيع القادمة. ما إذا كانت كاراكاس ستستسلم للطلبات الأمريكية أم ستواصل مقاومة الضغوط، سيظل محور اهتمام المراقبين الدوليين. كما أن تطورات الأوضاع في فنزويلا قد تكون لها تأثيرات كبيرة على مستقبل السياسة النفطية العالمية.
في الختام، يمثل السباق على الموارد الطبيعية تحديًا جيوسياسيًا واقتصاديًا كبيرًا. يجب على المجتمع الدولي العمل على إيجاد حلول سلمية وعادلة لهذا التحدي، لمنع تفاقم التوترات وتجنب الصراعات المحتملة. من الضروري مراقبة تطورات الأوضاع في فنزويلا عن كثب، وتقييم الآثار المحتملة على الأمن الإقليمي والعالمي.