تصاعدت التوترات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن جزيرة غرينلاند، بعد اقتراح من مصدر عسكري إسباني حول إمكانية إرسال قوات إلى الجزيرة كإشارة إلى واشنطن. يأتي هذا في ظل مناقشات مستمرة حول مستقبل الجزيرة، بما في ذلك مقترح أمريكي غير رسمي بضمها إلى الولايات المتحدة. وتثير هذه التطورات تساؤلات حول الأمن الإقليمي والعلاقات بين الحلفاء.
وقالت صحيفة “بايس” الإسبانية، نقلاً عن مصدر عسكري لم تذكر اسمه، إن إرسال قوات دنماركية من جزيرة بورنهولم إلى غرينلاند يمكن أن يكون وسيلة لإيصال رسالة إلى الولايات المتحدة. ويأتي هذا الاقتراح ردًا على تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في استكشاف إمكانية شراء أو ضم غرينلاند، وهو ما أثار استياءً واسعًا في كل من الدنمارك وغرينلاند.
الخلاف حول غرينلاند وتصعيد الموقف الأمريكي
تعود جذور هذا الخلاف إلى اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بالمنطقة القطبية الشمالية، وذلك لأسباب استراتيجية واقتصادية. تعتبر غرينلاند ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة بسبب موقعها الجغرافي، وقربها من روسيا، وإمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة.
في أغسطس 2019، أبدى الرئيس ترامب اهتمامًا بشراء غرينلاند من الدنمارك، واصفًا ذلك بأنه “صفقة كبيرة”. لكن رئيس الوزراء الدنماركي مته فريدريكسن رفضت هذا الاقتراح بشكل قاطع، واصفة إياه بأنه “عبثي”.
وقد قدم عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين مؤخرًا مشروع قانون يدعو إلى “ضم ومنح صفة ولاية” لغرينلاند، مما يمثل تصعيدًا قانونيًا جديدًا في هذا الملف. ويرى فاين أن ضم غرينلاند سيكون في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، وسيعزز نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة القطبية الشمالية.
ردود الفعل الدولية والتحذيرات
أثارت هذه التحركات الأمريكية قلقًا واسعًا في المجتمع الدولي. حذرت سلطات الدنمارك وغرينلاند الولايات المتحدة من أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة، مؤكدة أنها تتوقع احترام سيادتها الإقليمية.
وفي يناير الحالي، ناقشت دول الاتحاد الأوروبي الاستجابة المحتملة في حال تحولت التهديدات الأمريكية إلى واقع فعلي. وتشير التقارير إلى أن بعض الدول الأوروبية قد تكون مستعدة لتقديم دعم دبلوماسي وقانوني للدنمارك وغرينلاند في حال تعرضهما لأي ضغوط أمريكية.
بالإضافة إلى ذلك، أعربت روسيا عن قلقها بشأن زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة القطبية الشمالية. واعتبرت روسيا أن هذه التحركات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتصعيد التوترات بين القوى الكبرى.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لـغرينلاند
تكمن الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد، حيث تقع بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. وهذا الموقع يمنحها أهمية كبيرة في مجال المراقبة العسكرية، والتحكم في الممرات الملاحية، والوصول إلى الموارد الطبيعية.
تعتبر غرينلاند أيضًا ذات أهمية اقتصادية متزايدة، وذلك بسبب اكتشاف احتياطيات كبيرة من النفط والغاز والمعادن في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ذوبان الجليد في غرينلاند يفتح فرصًا جديدة للاستثمار في مجال السياحة والنقل البحري.
تعتبر قضية تغير المناخ ذات صلة وثيقة بوضع غرينلاند، حيث أن ذوبان الجليد يهدد البنية التحتية للمدن الساحلية، ويؤثر على نمط حياة السكان المحليين.
تعتبر المنطقة القطبية الشمالية بشكل عام منطقة ذات أهمية جيوسياسية متزايدة، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ والموارد في المنطقة. وتشمل هذه القوى الولايات المتحدة وروسيا وكندا والدنمارك والنرويج.
في المقابل، يرى البعض أن تركيز الولايات المتحدة على غرينلاند هو محاولة لتحويل الانتباه عن قضايا داخلية، أو للضغط على الدنمارك لزيادة إنفاقها على الدفاع.
المستقبل والخطوات القادمة
من المتوقع أن تستمر المناقشات حول مستقبل غرينلاند في الأشهر المقبلة، خاصة مع استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة. من غير الواضح ما إذا كان مشروع القانون الذي قدمه عضو الكونغرس فاين سيحظى بدعم كافٍ في الكونغرس الأمريكي، لكنه يعكس على الأقل وجود تيار قوي في واشنطن يدعو إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة القطبية الشمالية.
من المرجح أن تسعى الدنمارك وغرينلاند إلى تعزيز علاقاتهما مع الدول الأوروبية الأخرى، والعمل على بناء توافق دولي حول ضرورة احترام سيادتهما الإقليمية.
يجب مراقبة التطورات في المنطقة القطبية الشمالية عن كثب، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات الأمريكية في البنية التحتية العسكرية، والتحركات العسكرية الروسية في المنطقة. كما يجب الانتباه إلى تأثير تغير المناخ على الوضع في غرينلاند، وإلى ردود الفعل المحتملة من السكان المحليين.
المصدر: نوفوستي