Connect with us

Hi, what are you looking for?

صحة

التثاؤب.. لماذا يحدث ومتى يصبح معديا؟

لطالما اعتبر التثاؤب مجرد علامة على الملل أو التعب، إلا أن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف عن وظائف أكثر تعقيدًا لهذه الظاهرة الفسيولوجية اللاإرادية. فما هو التثاؤب حقًا، ولماذا نعدي بعضنا البعض به؟ هذا المقال يستعرض أحدث الاكتشافات حول أسباب التثاؤب وآلياته، مع التركيز على دوره في تنظيم وظائف الدماغ والتواصل الاجتماعي.

أسباب التثاؤب: ما وراء الملل والتعب

تاريخيًا، ارتبط التثاؤب بنقص الأكسجين أو تراكم ثاني أكسيد الكربون في الجسم. ومع ذلك، أثبتت الدراسات الحديثة أن هذه النظرية غير صحيحة، حيث أن مستويات الغازات في الدم لا ترتبط بشكل مباشر بحدوث التثاؤب. بدلاً من ذلك، تشير الأبحاث إلى أن التثاؤب قد يلعب دورًا هامًا في تنظيم درجة حرارة الدماغ. عندما ترتفع درجة حرارة الدماغ، على سبيل المثال بسبب الإرهاق أو قلة النوم، يساعد التثاؤب على زيادة تدفق الدم إلى الدماغ، مما يسمح بتبادل الحرارة وتبريده.

بالإضافة إلى تنظيم درجة الحرارة، يقترح العلماء أن التثاؤب قد يرتبط بتغيرات في مستوى الوعي. غالبًا ما يحدث التثاؤب أثناء الانتقال بين النوم والاستيقاظ، حيث يساعد التنفس العميق المصاحب له على تمدد الحويصلات الهوائية في الرئتين، مما يزيد من تدفق الدم ويحفز ضربات القلب، وبالتالي تعزيز اليقظة أو الاسترخاء حسب الحاجة.

وظائف أخرى محتملة للتثاؤب

تشير فرضية أخرى إلى أن التثاؤب قد يساعد في فتح قناة استاكيوس، وهي الممر الذي يربط الأذن الوسطى بالبلعوم الأنفي، مما يساعد على معادلة الضغط في الأذن. هذه الوظيفة قد تكون مفيدة بشكل خاص أثناء الطيران أو الغوص، حيث يتغير الضغط الجوي بسرعة. كما أن هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن التثاؤب قد يكون له دور في تحسين التركيز والانتباه.

“عدوى التثاؤب”: لماذا نعدي بعضنا البعض؟

أحد الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في التثاؤب هو ظاهرة “عدوى التثاؤب”، حيث يميل الناس إلى التثاؤب عندما يرون شخصًا آخر يتثاءب. لا يُعتبر هذا مجرد تقليد بسيط، بل هو شكل من أشكال التقليد الحركي غير الإرادي الذي يعتمد على عوامل نفسية وعصبية. تلعب الخلايا العصبية المرآتية، وهي خلايا دماغية تنشط عند ملاحظة فعل شخص آخر، دورًا رئيسيًا في هذه الظاهرة.

يرتبط التعاطف بشكل وثيق بالقدرة على “التقاط” التثاؤب. فكلما كان الارتباط العاطفي بين شخصين أقوى، زاد احتمال أن يتثاءب أحدهما استجابة لتثاؤب الآخر. تشير الدراسات إلى أن الأطفال دون سن الرابعة أو الخامسة يكونون أقل عرضة للإصابة بعدوى التثاؤب، لأن مناطق الدماغ المسؤولة عن التعاطف لا تزال في طور النمو. هذا يؤكد العلاقة بين التعاطف والتقليد الحركي المرتبط بالتثاؤب.

بالإضافة إلى التعاطف، قد تلعب عوامل أخرى دورًا في انتشار التثاؤب، مثل الروابط الاجتماعية والقرب الجسدي. فمن المرجح أن يتثاءب الأشخاص استجابة لتثاؤب أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم المقربين مقارنة بالغرباء.

تستمر الأبحاث في استكشاف الوظائف المعقدة للتثاؤب ودوره في الصحة والسلوك البشري. من المتوقع أن تكشف الدراسات المستقبلية عن المزيد من الأفكار حول الآليات العصبية التي تتحكم في التثاؤب وعلاقته بالوظائف الإدراكية والاجتماعية. في الوقت الحالي، يمكننا القول أن التثاؤب ليس مجرد رد فعل بسيط، بل هو ظاهرة فسيولوجية معقدة ذات وظائف متعددة.

اضف تعليقك

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة