وافق البرلمان التشيكي على حكومة جديدة بقيادة رئيس الوزراء بيتر بابيش، وذلك بأغلبية 108 أصوات مقابل 91 صوتا. يمثل هذا التصويت نقطة تحول في السياسة التشيكية، حيث يمثل الائتلاف الحاكم تحولا نحو اليمين، مما يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد في ظل هذه التغييرات. جاءت الموافقة بعد مناقشات مطولة، وتعهدات من بابيش بتركيز جهود الحكومة على المصالح الوطنية.
يأتي تشكيل هذه الحكومة بعد فترة من عدم الاستقرار السياسي في التشيك، حيث شهدت البلاد انتخابات مبكرة في أكتوبر الماضي. تضم الحكومة الجديدة ثلاثة أحزاب رئيسية: حزب “آنو” اليميني الشعبوي الذي يتزعمه بابيش، وحزب سائقي السيارات، وحزب “الحرية والديمقراطية المباشرة” اليميني المتطرف. وبموجب الدستور التشيكي، يجب على الحكومة الجديدة أن تسعى للحصول على ثقة البرلمان في غضون 30 يومًا من تشكيلها.
تحديات تواجه الحكومة الجديدة في السياسة التشيكية
واجهت الحكومة الجديدة انتقادات حادة من المعارضة خلال مناقشة الثقة التي استمرت لأكثر من 25 ساعة. ركزت هذه الانتقادات بشكل خاص على التحقيقات الجارية ضد بابيش بتهم تتعلق بالاحتيال في قضايا الدعم، بالإضافة إلى التدقيق الذي يواجهه توميو أوكامورا، رئيس البرلمان ومؤسس حزب “الحرية والديمقراطية المباشرة”، بشأن اتهامات بالتحريض على الكراهية. ويتمتع كلا الرجلين بالحصانة البرلمانية، مما يعقد إجراءات التحقيق.
الخلافات حول الدعم لأوكرانيا
أحد أبرز نقاط الخلاف التي أثارت جدلاً واسعًا هو موقف الحكومة الجديدة من دعم أوكرانيا. يبدو أن هناك تحولًا نحو الابتعاد عن الدعم القوي الذي قدمته الإدارة السابقة لكييف. أكد بابيش أن أولويته القصوى هي حماية مصالح جمهورية التشيك ومواطنيها، واستبعد مشاركة البلاد في أي مهمة محتملة لحفظ السلام في أوكرانيا.
ومع ذلك، أوضح بابيش أن مبادرة الذخيرة التي تتخذ من براغ مقرا لها، والتي تهدف إلى دعم أوكرانيا، ستستمر في عملها، ولكن في دور تنسيقي فقط، دون استخدام أموال دافعي الضرائب التشيكيين. وقد قدمت هذه المبادرة بالفعل أكثر من 4 ملايين طلقة ذخيرة لأوكرانيا، وفقًا لبيانات رسمية.
السياسات الاقتصادية والبيئية
تعهد بابيش بترحيل الرعايا الأجانب المتورطين في جرائم بسرعة أكبر، كما جدد رفضه لتبني اليورو كعملة موحدة للتشيك. يأتي هذا الرفض في سياق مخاوف بشأن فقدان السيطرة على السياسة النقدية والمالية للبلاد. بالإضافة إلى ذلك، انتقد بابيش بشدة السياسات المناخية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، واصفًا إياها بأنها ضارة بالصناعة التشيكية.
تعتبر هذه الانتقادات للسياسات الأوروبية جزءًا من موقف أوسع للحكومة الجديدة، والذي يركز على حماية المصالح الوطنية للتشيك وتعزيز سيادتها. ويرى البعض أن هذا الموقف قد يؤدي إلى توترات مع الاتحاد الأوروبي، بينما يرى آخرون أنه يعكس رغبة شعبية في حماية الاقتصاد التشيكي من الآثار السلبية المحتملة للعولمة والاندماج الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك، تشمل خطط الحكومة الجديدة إجراء إصلاحات في نظام التقاعد، وخفض الضرائب على الشركات، وتبسيط الإجراءات الإدارية. تهدف هذه الإصلاحات إلى تحفيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
تأثيرات محتملة على السياسة الخارجية و العلاقات الأوروبية
من المتوقع أن يؤدي تشكيل هذه الحكومة إلى تغييرات ملحوظة في السياسة الخارجية للتشيك. فقد أشار بابيش إلى رغبته في إعادة تقييم علاقات التشيك مع الاتحاد الأوروبي، والتركيز بشكل أكبر على التعاون مع الدول المجاورة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول في السياسة الخارجية قد يعكس رغبة في الابتعاد عن التوجهات الليبرالية التي كانت سائدة في الإدارة السابقة، والعودة إلى سياسة أكثر واقعية تركز على حماية المصالح الوطنية.
كما أن موقف الحكومة الجديدة من دعم أوكرانيا قد يثير قلقًا في كييف وفي بعض العواصم الأوروبية، خاصة وأن أوكرانيا تعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي لمواجهة التحديات التي تواجهها.
من الجدير بالذكر أن التشيك عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتلتزم بالتعاون مع حلفائها في مواجهة التحديات الأمنية والإقليمية. ومع ذلك، فإن الحكومة الجديدة قد تسعى إلى إعادة التفاوض بشأن بعض جوانب عضويتها في هذه المنظمات، بهدف الحصول على المزيد من الاستقلالية والمرونة في اتخاذ القرارات.
الخطوة التالية المتوقعة هي تشكيل الحكومة الكاملة وتوزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المكونة للائتلاف. من المتوقع أن يتم الإعلان عن التشكيلة الحكومية النهائية في غضون أيام قليلة.
ما يجب مراقبته في الفترة المقبلة هو كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة، وكيف ستؤثر سياساتها على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والدول المجاورة، وكيف ستتعامل مع التحقيقات الجارية ضد بابيش وأوكامورا.