نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في تطوير نظام ذكاء اصطناعي متقدم، Falcon-H1 Arabic، يتفوق في فهم اللغة العربية على النماذج العالمية الأخرى، ويقدم أداءً أسرع وأكثر كفاءة مع حجم أصغر. هذا الإنجاز، الذي حققه معهد الابتكار التكنولوجي (TII)، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، ويسد فجوة طويلة الأمد في هذا المجال.
تطوير نماذج لغوية عربية متقدمة
يحتل نموذج Falcon-H1 Arabic الصدارة في قائمة المتصدرين لنماذج اللغات الكبيرة العربية المفتوحة (Open Arabic LLM Leaderboard)، وفقًا لتقييمات الأداء الأخيرة. يتفوق هذا النموذج، الذي يضم 34 مليار معامل، على نماذج بارزة مثل “لاما” (Llama-70B) من ميتا و “كوين” (Qwen-72B) الصيني، على الرغم من حجمه الأصغر. يعكس هذا التفوق التزام الإمارات بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تلبي الاحتياجات الخاصة باللغة العربية.
بالنسبة للمستخدمين العرب، يمثل هذا التطور تحسينًا ملموسًا في جودة تفاعلاتهم مع أدوات الذكاء الاصطناعي. غالبًا ما واجه المتحدثون باللغة العربية صعوبات في الحصول على استجابات دقيقة وذات مغزى من الأنظمة العالمية، بسبب محدودية قدرتها على فهم الفروق الدقيقة في اللغة العربية.
تحديات اللغة العربية في الذكاء الاصطناعي
تعتبر اللغة العربية من بين اللغات الأكثر تعقيدًا بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، بما في ذلك التغيرات في وظيفة الكلمات بناءً على السياق، والمرونة في ترتيب الكلمات، والتنوع الكبير في اللهجات المستخدمة في الحياة اليومية. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تفتقر اللغة العربية إلى مجموعات البيانات الضخمة وعالية الجودة اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل فعال، كما أشارت أبحاث نشرت في دورية “Communications of the ACM”.
ونتيجة لهذه التحديات، غالبًا ما يكون أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية – في مجالات مثل التعليم وخدمة العملاء والخدمات الحكومية – أقل من أدائها باللغة الإنجليزية. كما أن فهم السياق الثقافي الدقيق يمثل تحديًا إضافيًا لهذه الأنظمة.
Falcon-H1 Arabic: تصميم يركز على اللغة العربية
تم تصميم Falcon-H1 Arabic خصيصًا للتغلب على هذه التحديات. يعتمد النموذج على مجموعات بيانات شاملة تركز على اللغة العربية، بما في ذلك اللغة العربية الفصحى واللهجات الإقليمية والمحتوى الثقافي المتنوع. يتوفر النموذج بثلاثة أحجام مختلفة – 3 مليارات، و7 مليارات، و34 مليار معامل – مما يسمح للمؤسسات باختيار الحجم الأنسب لمواردها الحوسبية.
أظهرت الاختبارات أن النموذج الأصغر (3B) يتفوق على نموذج “فاي-4 ميني” (Phi-4 Mini) من مايكروسوفت بنسبة 10 نقاط مئوية في اختبارات اللغة العربية. كما حقق إصدار (7B) أداءً متميزًا في فئته. أما النموذج الأكبر (34B) فقد حقق دقة بلغت 75.36% في اختبارات الفهم الشامل للغة العربية، متفوقًا على أنظمة أكبر حجمًا.
بالإضافة إلى الأداء المتميز، يتميز Falcon-H1 Arabic بقدرته على التعامل مع المهام اللغوية المعقدة، مثل فهم العبارات العامية والاستنتاج باللغة العربية والحفاظ على محادثات طويلة. كما يمكنه معالجة ما يصل إلى 192,000 كلمة في محادثة واحدة، مما يجعله مناسبًا لتحليل المستندات الطويلة مثل العقود القانونية والأبحاث الأكاديمية والسجلات الطبية.
صرح فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة والأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، بأن هذا الإنجاز سيمكن المجتمعات الناطقة باللغة العربية من الاستفادة من “ابتكار متاح، ذي صلة، ومؤثر”.
تأثيرات واسعة النطاق وتوقعات مستقبلية
يأتي هذا الإنجاز في سياق عالمي يشهد نموًا سريعًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، كانت اللغة العربية تاريخيًا أقل تمثيلًا في تطوير هذه التقنيات. غالبًا ما تقدم الشركات الكبرى أنظمة تدعم اللغة العربية كإضافة ثانوية لنماذجها المدربة بشكل أساسي على اللغة الإنجليزية. Falcon-H1 Arabic يمثل تحولًا في هذا النهج، حيث تم تصميمه مع وضع اللغة العربية في صميم عملية التطوير.
من المتوقع أن يكون لهذا النموذج تأثير إيجابي على مختلف القطاعات في دولة الإمارات والمنطقة. على سبيل المثال، يمكن للمدارس استخدامه لتوفير معلمين افتراضيين يفهمون لغة الطلاب ولهجتهم. يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدامه لتطوير أدوات ذكاء اصطناعي تحترم السياق الثقافي للمرضى. يمكن للشركات استخدامه لأتمتة دعم العملاء مع الحفاظ على الفروق الثقافية الدقيقة. كما يمكن للخدمات الحكومية استخدامه لتشغيل أنظمة دردشة تفاعلية باللغة العربية الطبيعية.
يواصل معهد الابتكار التكنولوجي (TII) تطوير نماذج “فالكون”، والتي حافظت باستمرار على الصدارة في فئاتها منذ عام 2023. يتوفر Falcon-H1 Arabic مجانًا عبر الرابط chat.falconllm.tii.ae، مما يتيح للمطورين والباحثين والشركات الاستفادة من هذه التكنولوجيا المتقدمة. من المتوقع أن يشهد هذا المجال المزيد من التطورات في المستقبل القريب، مع التركيز على تحسين دقة وكفاءة نماذج اللغة العربية وتوسيع نطاق تطبيقاتها.