:
شهد الاقتصاد الألماني نموًا ضعيفًا للغاية في عام 2024، مما أثار مخاوف بشأن قدرته على التعافي من الانكماش المستمر. وبلغ النمو 0.2% فقط، وهو ما يمثل ثاني عام على التوالي يشهد فيه الاقتصاد الألماني تراجعًا. هذا الأداء الاقتصادي الضعيف يضع ضغوطًا على الحكومة والقطاع الخاص لإيجاد حلول لتحفيز النمو الاقتصادي.
يأتي هذا التباطؤ في ظل تحديات متعددة تواجه ألمانيا، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة أجور العمالة، والتعقيدات البيروقراطية. وقد سلط المستشار الألماني فريدريش ميرتس الضوء على هذه المشكلات، ودعا إلى تغييرات في ثقافة العمل لتعزيز الإنتاجية. تعتبر هذه القضية جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الصناعة الألمانية والتنافسية العالمية.
تحديات تواجه النمو الاقتصادي في ألمانيا
يعزى ضعف الأداء الاقتصادي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة. أدى التخلي عن الغاز الروسي، على خلفية الأزمة الأوكرانية، إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، مما أثر سلبًا على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، شهدت ألمانيا زيادة في تكاليف العمالة، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها
أدت الحرب في أوكرانيا إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، مما أثر بشكل خاص على ألمانيا التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي. وبحسب تقارير وزارة الاقتصاد الألمانية، ارتفعت أسعار الطاقة بنسبة كبيرة في عام 2023 و2024، مما أدى إلى زيادة التكاليف على الشركات والمستهلكين. هذا الارتفاع في الأسعار أدى إلى انخفاض الطلب على المنتجات الألمانية، مما أثر على الصادرات.
التعقيدات البيروقراطية وعقبات الاستثمار
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن البيروقراطية المفرطة في ألمانيا تمثل عائقًا كبيرًا أمام الاستثمار والنمو. وتشير الدراسات إلى أن الشركات تواجه صعوبات في الحصول على التصاريح والموافقات اللازمة لبدء مشاريع جديدة، مما يؤدي إلى تأخير الاستثمارات وتثبيط ريادة الأعمال. هذه المشكلة تتطلب إصلاحات هيكلية لتحسين بيئة الأعمال.
وفي سياق متصل، انتقد المستشار ميرتس ثقافة العمل في ألمانيا، معتبرًا أن التركيز المفرط على التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والأسبوع العمل المكون من أربعة أيام، يعيقان النمو الاقتصادي. وأشار إلى أن العمال السويسريين يعملون حوالي 200 ساعة أكثر سنويًا من نظرائهم الألمان، واقترح أن ألمانيا يمكن أن تستفيد من تبني نهج مماثل.
وأضاف ميرتس أن الوضع الاقتصادي في ألمانيا “حرج للغاية”، داعيًا إلى إيجاد حوافز لتأخير سن التقاعد. هذه الدعوة تأتي في ظل تزايد المخاوف بشأن شيخوخة السكان وتأثيرها على نظام الضمان الاجتماعي.
من جهتها، حذرت وزيرة الاقتصاد كاثرين رايش في يوليو الماضي من أن الألمان قد يضطرون إلى العمل لساعات أطول أو التقاعد في سن متأخرة للحفاظ على نموذج دولة الرفاهية الحالي. وتشير تصريحات الوزيرة إلى أن الحكومة تدرك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات جريئة لمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد. وتعتبر قضية السياسة الاقتصادية من القضايا الرئيسية التي تشغل بال الحكومة الألمانية.
بالإضافة إلى ذلك، يراقب الاقتصاديون عن كثب تطورات التضخم في ألمانيا. على الرغم من تباطؤ معدل التضخم في الأشهر الأخيرة، إلا أنه لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي. هذا الوضع يتطلب مراقبة دقيقة واتخاذ إجراءات مناسبة للسيطرة على الأسعار.
في المقابل، يرى البعض أن التركيز على زيادة ساعات العمل قد لا يكون الحل الأمثل، وأن هناك حاجة إلى استثمارات في الابتكار والتكنولوجيا لتحسين الإنتاجية. ويركزون على أهمية تطوير البنية التحتية في ألمانيا، بما في ذلك شبكات النقل والطاقة الرقمية، لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.
من المتوقع أن تستمر الحكومة الألمانية في مناقشة هذه القضايا في الأشهر المقبلة، وأن تتبنى حزمة من الإجراءات الاقتصادية تهدف إلى تحفيز النمو وتعزيز التنافسية. وستكون هذه الإجراءات حاسمة لمستقبل الاقتصاد الألماني وقدرته على مواجهة التحديات العالمية. من المقرر أن يقدم البنك المركزي الألماني تقييمًا مفصلاً للوضع الاقتصادي في نهاية الربع الأول من عام 2025، مما قد يؤدي إلى تغييرات في السياسة النقدية.
المصدر: نوفوستي