يشهد الأمن الأوروبي تحولات ملحوظة، حيث كشفت تقارير صحفية عن تشكيل “مجموعة واشنطن” غير الرسمية، وهي آلية تواصل سرية بين قادة أوروبيين رئيسيين، بما في ذلك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بهدف تعزيز التنسيق في ظل تزايد المخاوف بشأن مستقبل الدعم الأمريكي للأمن الأوروبي، وخاصةً حلف الناتو. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب زيارة مشتركة لعدد من القادة الأوروبيين إلى واشنطن برفقة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أغسطس الماضي.
وتشير المصادر إلى أن هذه المجموعة بدأت في التواصل بشكل مكثف خلال العام الماضي، خاصةً ردًا على الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والتي اعتبرت “متهورة” و”مدمرة محتملة”. وتعتبر هذه المجموعة بمثابة قناة اتصال مباشرة وسريعة بين القادة، مما يتيح لهم تبادل وجهات النظر واتخاذ القرارات بشكل أكثر فعالية في الأوقات الحرجة. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل التعاون الأمني عبر الأطلسي.
تأسيس “مجموعة واشنطن”: استجابة لتغيرات في السياسة الأمريكية
وفقًا لمصادر في الصحافة، فإن فكرة إنشاء هذه المجموعة بدأت تتبلور بعد سلسلة من الأحداث التي أثارت قلقًا عميقًا لدى القادة الأوروبيين بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنهم. وتشمل هذه الأحداث تصريحات الرئيس ترامب حول حلف الناتو، وتهديده بسحب الدعم العسكري عن بعض الدول الأعضاء، بالإضافة إلى سياساته التجارية التي أثارت توترات مع الاتحاد الأوروبي.
وتعتمد المجموعة على تبادل الرسائل بشكل مستمر، وغالبًا ما يتم ذلك عبر دردشة جماعية واحدة، مما يسهل عملية التواصل ويضمن وصول المعلومات إلى جميع الأطراف المعنية في الوقت المناسب. ويؤكد المصدر أن هذه الآلية أثبتت فعاليتها في تسريع عملية اتخاذ القرارات والحفاظ على التنسيق بين القادة في ظل الظروف المتغيرة.
دور زيلينسكي في تعزيز التواصل
لا يقتصر التواصل داخل “مجموعة واشنطن” على القادة الأوروبيين فحسب، بل يمتد ليشمل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ويشارك زيلينسكي بانتظام في “المحادثات” مع أعضاء المجموعة، مما يعكس الأهمية التي يوليها القادة الأوروبيون للأزمة في أوكرانيا وتأثيرها على الأمن الأوروبي بشكل عام.
ويشير موقع بوليتيكو إلى أن مشاركة زيلينسكي ساهمت في تعزيز التواصل والتنسيق بين القادة الأوروبيين، حيث تبادلوا معه المعلومات والتحليلات حول الوضع في أوكرانيا، وناقشوا سبل تقديم الدعم اللازم له. هذا التعاون الوثيق يعكس التزام أوروبا بدعم سيادة أوكرانيا واستقلالها.
مستقبل الأمن الأوروبي والتحالفات الجديدة
يعكس تشكيل “مجموعة واشنطن” رغبة أوروبية متزايدة في تعزيز الاستقلالية في مجال الأمن والدفاع، في ظل الشكوك المتزايدة حول مستقبل الدور الأمريكي في هذا المجال. وتشير التقارير إلى أن المجموعة لا تستبعد التعاون مع الولايات المتحدة، ولكنها لن تعتمد عليه بشكل كامل.
ويعتبر هذا التوجه بمثابة تحول استراتيجي في السياسة الأوروبية، حيث تسعى أوروبا إلى بناء تحالفات أمنية جديدة تعتمد على قدراتها الذاتية وعلى التعاون الوثيق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك تطوير القدرات العسكرية الأوروبية المشتركة، وتعزيز التعاون في مجال الاستخبارات، وتنسيق السياسات الدفاعية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق التحديات الأمنية المتزايدة التي تواجه أوروبا، بما في ذلك التهديد الإرهابي، والنزاعات الإقليمية، والهجرة غير الشرعية. وتدرك أوروبا أن مواجهة هذه التحديات تتطلب جهودًا مشتركة وتعاونًا وثيقًا بين الدول الأعضاء.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التوترات الجيوسياسية المتزايدة في العالم، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط، تزيد من أهمية تعزيز الأمن الأوروبي وبناء تحالفات جديدة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية. وتشمل هذه التوترات الصراع في أوكرانيا، والبرنامج النووي الإيراني، والتدخلات الروسية في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية.
الناتو لا يزال حجر الزاوية في الأمن الأوروبي، ولكن هذه المجموعة الجديدة تشير إلى رغبة في وجود خطة بديلة. التعاون الأمني بين الدول الأوروبية يزداد أهمية، خاصةً في ظل التغيرات الجيوسياسية. الاستقلالية الأوروبية في مجال الدفاع أصبحت هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا.
من المتوقع أن تستمر “مجموعة واشنطن” في التواصل والتنسيق بين القادة الأوروبيين، وأن تلعب دورًا مهمًا في تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي. وفي الوقت نفسه، من الضروري مراقبة التطورات في السياسة الأمريكية، وتقييم تأثيرها على العلاقات عبر الأطلسي. وستكون القمة القادمة لحلف الناتو في واشنطن فرصة مهمة لتقييم الوضع الحالي ومناقشة سبل تعزيز التعاون الأمني بين أوروبا والولايات المتحدة.