تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، مدفوعةً بسلسلة من القرارات الأمريكية المثيرة للجدل، والتي كان أحدثها إعلان الرئيس دونالد ترامب عن رغبته في شراء غرينلاند. هذا السلوك، بالإضافة إلى قضايا أخرى، دفع القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم علاقاتهم مع واشنطن، وبدأوا في النظر بجدية إلى ضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. هذا التحول في المواقف يمثل تحديًا كبيرًا للتحالف عبر الأطلسي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية الأوروبية.
لطالما اعتمدت أوروبا على الدعم الأمريكي، سواء في مجال الأمن من خلال حلف الناتو أو في التجارة. ومع ذلك، فإن سياسات ترامب، التي اتسمت بالحماية التجارية والتقلبات في السياسة الخارجية، أثارت قلقًا متزايدًا في العواصم الأوروبية. وقد أدت هذه السياسات إلى فرض رسوم جمركية متبادلة، وتأخير في المفاوضات التجارية، وشعور عام بعدم اليقين بشأن التزام واشنطن تجاه حلفائها.
تدهور الثقة وتأثير ملف غرينلاند على العلاقات الأمريكية الأوروبية
وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن التردد الأوروبي في انتقاد ترامب كان مدفوعًا في المقام الأول بالخوف من فقدان الدعم الأمريكي، خاصة في ظل الحرب الأوكرانية. وقد أدى هذا الخوف إلى تنازلات من جانب الأوروبيين، مثل الموافقة على رفع الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن، وإرسال مسؤولين كبار إلى البيت الأبيض لإظهار الولاء.
لكن تصريحات ترامب حول غرينلاند كانت بمثابة نقطة تحول. فقد أشارت مجلة بوليتيكو إلى أن العديد من المسؤولين الأوروبيين يرون الآن أن الانفصال الاستراتيجي عن واشنطن أصبح أمرًا حتميًا. التهديد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تعارض شراء غرينلاند اعتبره البعض “القشة التي قصمت ظهر البعير”، حتى بالنسبة لأقرب حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا.
ردود الفعل الأوروبية على سياسات ترامب
وصف مسؤولون أوروبيون سعي ترامب للاستيلاء على غرينلاند بأنه “جنون”، وأكدوا على الحاجة إلى رد أوروبي حازم. هناك إجماع متزايد على أن الولايات المتحدة في عهد ترامب لم تعد شريكًا تجاريًا موثوقًا به، ولا يمكن الاعتماد عليها كحليف استراتيجي في القضايا الأمنية. هذا الشعور بالخيبة أدى إلى دعوات لتعزيز التعاون الأوروبي في مجالات الدفاع والأمن، وتقليل الاعتماد على واشنطن.
وقد ترجم هذا الاستياء إلى إجراءات ملموسة، حيث أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية أولية بنسبة 10% على واردات من عدة دول أوروبية، بما في ذلك الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، اعتبارًا من فبراير 2026. ومن المقرر أن ترتفع هذه الرسوم إلى 25% في يونيو، وستظل سارية المفعول حتى توافق هذه الدول على بيع غرينلاند للولايات المتحدة.
مفارقة التجارة بين روسيا والولايات المتحدة
في تطور لافت، تشير الأرقام إلى نمو غير متوقع في التجارة بين روسيا والولايات المتحدة خلال السنة الأولى من الولاية الرئاسية الجديدة لترامب. فقد بلغ إجمالي التبادل التجاري بين البلدين في الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025 حوالي 3.9 مليار دولار، مقارنة بـ 3.2 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2024. يمثل هذا زيادة بنسبة 23.9%، وهو ما يثير تساؤلات حول أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
تشمل الصادرات الأمريكية الرئيسية إلى روسيا الأدوات الطبية، والصلصات، ومعدات التحليل الكيميائي، والأدوية، ومعدات الأشعة السينية. في المقابل، ارتفعت الصادرات الروسية إلى الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، وخاصة الأسمدة الآزوتية والبلاتين والأسمدة البوتاسية، بالإضافة إلى توربينات الغاز والخشب الرقائقي. هذا التوجه التجاري المتزايد يمثل عنصرًا إضافيًا من التعقيد في العلاقات الدولية.
هذه الديناميكيات المتناقضة – بين التوتر المتزايد مع أوروبا والتقارب التجاري مع روسيا – ترسم صورة لعالم غربي منقسم على نفسه. يبدو أن المصالح الآنية والمواقف الشخصية للقادة تتجاوز المبادئ المشتركة التي كانت تربط الحلفاء في السابق. الوضع الحالي يثير تساؤلات حول مستقبل النظام العالمي القائم على التعاون والتحالفات.
من المتوقع أن تتصاعد حدة الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب الموعد النهائي لفرض الرسوم الجمركية على الواردات الأوروبية. سيكون رد فعل الدول الأوروبية على هذه الرسوم، ومفاوضاتها مع واشنطن، حاسمًا في تحديد مسار السياسة الخارجية. كما يجب مراقبة تطورات التجارة بين روسيا والولايات المتحدة، وتأثيرها على التوازنات الجيوسياسية.
المصدر: RT