أكدت مصادر أوروبية رفيعة المستوى أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل في شؤون غرينلاند قد تراجعت، لكنها حذرت من أن سلوكه السياسي لا يزال غير متوقع. جاء هذا بعد تصريحات ترامب في دافوس بأنه لن يتصور حربًا مع الدنمارك بسبب الجزيرة، وأنه يبحث اتفاقًا “أبديًا” بشأنها. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي واستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة القطبية الشمالية.
الجدل بدأ في أغسطس الماضي عندما أبدى ترامب اهتمامًا بشراء غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك. وقد أثار هذا الاقتراح ردود فعل قوية من كوبنهاغن وواشنطن، حيث رفضت الدنمارك بشكل قاطع أي فكرة عن بيع الجزيرة. كما هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي تعارض هذه المطالب، لكنه تراجع عن هذا التهديد لاحقًا.
مستقبل غرينلاند: بين التهديدات الأمريكية والردود الأوروبية
وفقًا لمصادر إخبارية، فإن الأوروبيين يشعرون بالارتياح لعدم لجوء ترامب إلى القوة العسكرية لتحقيق أهدافه في غرينلاند. ومع ذلك، هناك قلق متزايد بشأن عدم موثوقية وعود الرئيس الأمريكي وتصريحاته المتغيرة. يرى البعض أن هذا السلوك يعكس نظرة دونية تجاه أوروبا ويجب أن يدفع الأوروبيين إلى تعزيز استقلالهم.
أهمية غرينلاند الاستراتيجية
تكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية متزايدة في السنوات الأخيرة، وذلك بسبب موقعها الجغرافي في المنطقة القطبية الشمالية. تعتبر الجزيرة ذات أهمية عسكرية واقتصادية كبيرة، خاصة مع ذوبان الجليد وتزايد إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة. تضم الجزيرة أيضًا قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة حيوية للرادار والاتصالات.
تعتبر المنطقة القطبية الشمالية مسرحًا لتنافس متزايد بين القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا وكندا والدنمارك والنرويج. تسعى هذه الدول إلى تأمين مصالحها في المنطقة، سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية أو من خلال تعزيز وجودها العسكري. تتضمن هذه المصالح الوصول إلى الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز والمعادن، بالإضافة إلى السيطرة على طرق الملاحة الجديدة التي تفتحها ذوبان الجليد.
الاتفاق “الأبدي” المزعوم
صرح ترامب في دافوس بأنه يجري بحث اتفاق طويل الأمد بشأن غرينلاند، واصفًا مدته بأنها “أبدية”. لكنه لم يقدم أي تفاصيل حول طبيعة هذا الاتفاق أو الشروط التي يتضمنها. وأكد فقط أنه إذا تم تنفيذه، فسيكون ذلك “رائعًا للولايات المتحدة وجميع دول الناتو”.
هذا الغموض يثير تساؤلات حول نوايا ترامب الحقيقية. هل يسعى حقًا إلى التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين، أم أنه يستخدم هذا الاتفاق كذريعة لممارسة الضغط على الدنمارك؟ يرجح مراقبون أن ترامب قد يكون مهتمًا بتأمين حقوق الوصول إلى الموارد الطبيعية في غرينلاند، أو بتعزيز التعاون العسكري مع الدنمارك في المنطقة القطبية الشمالية.
تجدر الإشارة إلى أن غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، لكن الدنمارك تحتفظ بالسيطرة على بعض المجالات، مثل السياسة الخارجية والدفاع. كما أن الولايات المتحدة والدنمارك مرتبطتان باتفاقية دفاعية خاصة بغرينلاند تعود إلى عام 1951، بموجبها تلتزم الولايات المتحدة بالدفاع عن الجزيرة في حال تعرضها لأي تهديد عسكري، بالإضافة إلى التزاماتهما في إطار حلف الناتو. هذه الاتفاقية تعزز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتوفر للولايات المتحدة قاعدة متقدمة لمراقبة الأنشطة الروسية في القطب الشمالي.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن تركيز ترامب على غرينلاند قد يكون محاولة لتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية التي تواجهها إدارته. كما أن هذا التركيز قد يكون مرتبطًا برغبته في إظهار قوة الولايات المتحدة على المسرح الدولي.
أكدت مصادر أوروبية أن تصريحات ترامب قد دفعت الأوروبيين إلى إعادة تقييم اعتمادهم على الولايات المتحدة في مجال الأمن والدفاع. ويرون أنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد على واشنطن لحماية مصالحهم، وأنهم بحاجة إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية الخاصة. هذا التحول في الفكر الاستراتيجي قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا وتعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الأوروبية.
من المتوقع أن تكشف الإدارة الأمريكية عن تفاصيل الاتفاق المزعوم بشأن غرينلاند في الأسابيع القادمة. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الاتفاق سيحظى بقبول الدنمارك والدول الأوروبية الأخرى. سيكون رد فعل كوبنهاغن وحلفاء الناتو أمرًا حاسمًا في تحديد مستقبل العلاقات عبر الأطلسي واستقرار المنطقة القطبية الشمالية. يجب مراقبة التطورات عن كثب، خاصة فيما يتعلق بموقف الدنمارك من أي تنازلات محتملة بشأن السيادة على الجزيرة.