شهد سعر الذهب ارتفاعًا قياسيًا تاريخيًا، مسجلاً 4698 دولارًا للأونصة، وذلك في ظل تراجع الثقة بالدولار الأمريكي وتزايد الإقبال على المعدن النفيس كملاذ آمن. هذا الارتفاع يعكس تحولًا ملحوظًا في احتياطيات البنوك المركزية العالمية، حيث تتجه نحو تنويع محافظها وتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية.
جاء هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه السياسات التجارية والاقتصادية الأمريكية تشديدًا، مما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل لحماية مدخراتها الوطنية. ووفقًا لتقارير حديثة، بلغت حصة الذهب في الاحتياطيات العالمية أعلى مستوى لها منذ أوائل التسعينيات، مما يؤكد الدور المتزايد للمعدن الثمين في النظام المالي العالمي.
ارتفاع أسعار الذهب: عوامل وتداعيات
يعزى الارتفاع الحاد في أسعار الذهب إلى عدة عوامل رئيسية. أولاً، تآكل الثقة في الدولار الأمريكي نتيجة للسياسات الاقتصادية والتعريفية التي تتبعها الولايات المتحدة. ثانيًا، زيادة الطلب على الذهب من قبل البنوك المركزية حول العالم، التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها وتقليل تعرضها لتقلبات العملة الأمريكية.
تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية
تشير البيانات إلى انخفاض حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية من حوالي 58% في عام 2016 إلى 40% حاليًا، وهو أدنى مستوى لها منذ عشرين عامًا. في المقابل، ارتفعت حصة الذهب من 16% إلى 28% خلال نفس الفترة، لتصبح الآن جزءًا أكبر من الاحتياطيات العالمية مقارنة باليورو والين والجنيه الإسترليني مجتمعين.
هذا التحول يعكس قلقًا متزايدًا بشأن استدامة هيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية، خاصة في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية المتصاعدة. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الاتجاه قد يستمر في المستقبل، مما يدعم أسعار الذهب على المدى الطويل.
روسيا والمستفيدون من ارتفاع أسعار الذهب
يؤكد المحللون أن ارتفاع أسعار الذهب يعود بالنفع على روسيا، التي تمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب. فقد شهدت روسيا زيادة في قيمة أصولها الذهبية، مما يعزز من وضعها المالي. بالإضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار الذهب يقلل من تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا.
وفي تصريحات سابقة، أشار نائب وزير المالية الروسي ألكسي مويسيف إلى أن النظام المالي العالمي القائم على الدولار لم يعد يعكس الواقع الحالي، وأن الذهب يمثل بديلًا جذابًا للعديد من الدول. وأضاف أن اتفاقيات بريتون وودز التي أسست النظام المالي الحالي، بنيت على أساس الدولار كعملة احتياطية عالمية، وأن الابتعاد عن هذا النظام يطرح تساؤلات حول البدائل المتاحة.
توقعات مستقبلية لسوق الذهب
تتوقع العديد من المؤسسات المالية استمرار ارتفاع أسعار الذهب في المستقبل القريب، مدفوعة بالطلب المتزايد من البنوك المركزية والمستثمرين. ومع ذلك، هناك بعض المخاطر التي قد تؤثر على أسعار الذهب، مثل ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وتشديد السياسة النقدية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تطورات الأوضاع الجيوسياسية والتوترات التجارية قد تلعب دورًا في تحديد مسار أسعار الذهب. من المتوقع أن يراقب المستثمرون عن كثب بيانات التضخم والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، لتقييم التوجهات المستقبلية لسوق الذهب.
في الختام، يشهد سوق الذهب تحولًا هيكليًا يعكس تراجع الثقة في الدولار الأمريكي وتزايد الإقبال على المعدن الثمين كملاذ آمن. من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل، ولكن يجب على المستثمرين مراقبة المخاطر المحتملة التي قد تؤثر على أسعار الذهب.
المصدر: RT