أثار مقترح قانون جديد يتعلق بـ الفجوة المصرفية في لبنان جدلاً واسعاً حول أفضل السبل لإعادة أموال المودعين المحتجزة في البنوك. يناقش القانون، الذي يهدف إلى معالجة الأزمة المالية المستمرة، آليات لتسديد جزء من الودائع المتجاوزة 100 ألف دولار، مع التركيز على دور مصرف لبنان في هذه العملية.
صرح وزير المال اللبناني، يوسف الخوري، مؤخراً بتعليقات حول هذا القانون المقترح، معرباً عن تحفظاته بشأن بعض جوانبه. وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه القطاع المصرفي اللبناني تحديات كبيرة، مع استمرار القيود على السحب وتدهور قيمة الليرة اللبنانية.
الفجوة المصرفية وإعادة أموال المودعين: نظرة عامة
تعود جذور الأزمة المصرفية في لبنان إلى عدة عوامل، بما في ذلك الديون المتراكمة، والعجز في الميزان التجاري، والفساد. تفاقمت هذه المشاكل في عام 2019، مما أدى إلى انهيار مالي واجتماعي غير مسبوق. نتيجة لذلك، فرضت البنوك قيوداً صارمة على سحب الأموال، مما أدى إلى حجز ودائع المودعين.
تعتبر إعادة أموال المودعين المحتجزة أولوية قصوى للحكومة اللبنانية، ولكن العملية معقدة للغاية بسبب نقص السيولة في البنوك المركزية وتدهور الأصول. تسعى الحكومة حالياً إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن حقوق المودعين مع الحفاظ على استقرار النظام المالي.
مقترح القانون: التفاصيل والتحفظات
ينص مشروع القانون المقترح على أن يتولى مصرف لبنان تسديد 80% من الودائع التي تتجاوز 100 ألف دولار، والتي تقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 40 مليار دولار. ويقترح القانون تمويل هذه التسديدات من خلال إصدار سندات مدعومة بالعائدات المحتملة على أصول مصرف لبنان.
لكن الخوري أعرب عن شكوكه في فعالية هذه الآلية، مشيراً إلى أن مصرف لبنان يفتقر إلى السيولة الكافية لتغطية هذه الالتزامات. وأضاف أن هذه الهندسة المالية قد تفرض على المصرف المركزي التزامات طويلة الأجل من المستحسن تجنبها. ويرى أن هذا النهج قد يعرض أصول المصرف المركزي للخطر لفترة طويلة، مما قد يعيق قدرته على التعافي في المستقبل.
بديل مقترح: تسييل الذهب
بدلاً من ذلك، اقترح الخوري تسييل جزء من احتياطي الذهب اللبناني، بما لا يتجاوز 15 مليار دولار، لشراء سندات صادرة عن جهات مالية موثوقة مثل حكومة أوروبية أو البنك الدولي. ويرى أن هذا الإجراء سيساعد في تحرير مصرف لبنان من الالتزامات طويلة الأجل وضمان حصول المودعين على أموالهم عند استحقاق السندات.
وأكد الخوري أن احتياطي الذهب لا يمثل ملكية للدولة اللبنانية، بل هو جزء من أصول وموجودات مصرف لبنان. وبالتالي، فإن تسييل جزء من الذهب يتطلب موافقة المصرف المركزي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. الودائع المصرفية هي محور النقاش الدائر حالياً.
تداعيات الأزمة المالية على القطاع المصرفي
تعاني البنوك اللبنانية من خسائر فادحة نتيجة لتدهور قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع نسبة القروض المتعثرة. وقد أدى ذلك إلى تآكل رأس المال وتراجع الثقة في القطاع المصرفي. الأزمة الاقتصادية الحالية تزيد من تعقيد الوضع.
بالإضافة إلى ذلك، أدت القيود المفروضة على سحب الأموال إلى تفاقم معاناة المودعين، الذين يواجهون صعوبات في الحصول على مدخراتهم. وقد أثار ذلك احتجاجات واسعة النطاق ومطالبات بإعادة أموالهم المحتجزة.
يعمل صندوق النقد الدولي بشكل وثيق مع الحكومة اللبنانية لوضع خطة إصلاح اقتصادي شاملة تهدف إلى استعادة الاستقرار المالي وتحقيق النمو المستدام. وتشمل هذه الخطة إجراءات لترشيد الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
في المقابل، يرى البعض أن تسييل الذهب قد يكون له آثار سلبية على المدى الطويل، حيث قد يؤدي إلى تراجع قيمة الليرة اللبنانية وزيادة التضخم. السيولة النقدية هي التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان.
من المتوقع أن يستمر النقاش حول مقترح القانون الجديد في البرلمان اللبناني خلال الأسابيع القادمة. وستعتمد الموافقة على القانون على التوصل إلى توافق سياسي بين مختلف الأطراف المعنية. يبقى من غير الواضح ما إذا كان سيتم التوصل إلى حل نهائي للأزمة المصرفية في المدى القصير، ولكن من المؤكد أن إعادة أموال المودعين ستظل أولوية قصوى للحكومة اللبنانية.