في قلب الذاكرة السعودية، يبرز اسم المؤرخ الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى (1270–1343هـ) كشخصية محورية في توثيق تاريخ نجد خلال فترة تأسيس الدولة السعودية الثالثة. واليوم، يمثل مشروع “الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى”، الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز في 19 مجلداً، إنجازاً ثقافياً ووطنياً ضخماً يهدف إلى صيانة التاريخ السعودي الحديث وإتاحته للأجيال القادمة.
السياق التاريخي وأهمية توثيق التاريخ
عاش الشيخ إبراهيم بن عيسى في حقبة شهدت تحولات جذرية في الجزيرة العربية، بدءاً من نهاية الدولة السعودية الثانية، مروراً بفترة من الاضطرابات، وصولاً إلى تأسيس الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. في تلك الفترة، كانت الوثائق المكتوبة نادرة، وكان الاعتماد كبيراً على الروايات الشفهية، مما جعل مهمة توثيق الأحداث أكثر صعوبة وأهمية. كان ابن عيسى شاهداً على الأحداث، وقاضياً وفقيهاً ورحالة، مما منحه رؤية شاملة وموثوقية عالية في تسجيل الوقائع.
محتويات “الأعمال الكاملة”: موسوعة شاملة للحياة في نجد
لا يقتصر هذا المشروع على سرد الأحداث السياسية والعسكرية، بل يقدم صورة متكاملة للحياة في نجد خلال تلك الفترة. تتضمن الموسوعة مجموعة واسعة من الأعمال التي تغطي مختلف جوانب الحياة:
تشمل السجلات الحولية، مثل “تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد” و”عقد الدرر”، تفصيلاً دقيقاً للأحداث السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى معلومات حول المناخ، والأوبئة، وأسعار السلع، وحركة السكان. كما تتضمن الموسوعة أعمالاً في الفقه والعلوم الشرعية، مثل “حاشية الروض المربع”، التي تعكس عمق معرفة ابن عيسى بالدين الإسلامي وتطبيقاته العملية. بالإضافة إلى ذلك، تقدم الموسوعة معلومات قيمة عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، من خلال أعمال مثل “المجموع الكبير” و”جامع الفوائد”، التي توثق جوانب الحياة اليومية، مثل الطب الشعبي، والفلك، وجغرافيا الآبار والقرى، والشعر النبطي.
الأرشيف الوثائقي: كشف النقاب عن وثائق تاريخية نادرة
يحتوي المشروع على أرشيف وثائقي هام، يضم صكوكاً ووصايا ومراسلات وأنساباً وتراجم لعلماء وأسر لم يذكروا في المصادر الأخرى. يعتبر هذا الأرشيف بمثابة “الأرشيف السري” لنجد، حيث يكشف عن تفاصيل جديدة ومثيرة للاهتمام حول تاريخ المنطقة.
الأهمية والتأثير: من صيانة الذاكرة الوطنية إلى الدراسات الأكاديمية
تتجاوز أهمية هذه الأعمال الكاملة حدود المملكة العربية السعودية لتشمل الباحثين والأكاديميين في جميع أنحاء العالم. محلياً، تعتبر الموسوعة مرجعاً أساسياً لفهم جذور الدولة السعودية وهويتها الوطنية. إقليمياً، تقدم مادة خام قيمة لدراسة تاريخ الجزيرة العربية والعلاقات بين أقاليمها المختلفة. ودولياً، توفر للباحثين والمستشرقين مصدراً أولياً نادراً وموثوقاً لدراسة تاريخ المنطقة من منظور محلي.
جهود دارة الملك عبدالعزيز في جمع وتحقيق التراث
لم يكن جمع هذا التراث مهمة سهلة، حيث كانت مخطوطات ابن عيسى مبعثرة في مكتبات وأرشيفات حول العالم. قامت دارة الملك عبدالعزيز بجهود جبارة لجمع هذه المخطوطات وتحقيقها وضبط نصوصها وفهرستها، بمشاركة فريق من حوالي 20 باحثاً. استغرق هذا العمل سنوات عديدة، وأسفر عن إصدار الموسوعة في أكثر من 7000 صفحة، مما يجعلها من أكبر المشاريع التوثيقية في تاريخ المملكة.
في الختام، يمثل إنجاز “الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى” خطوة مهمة في صيانة التراث الوطني وإتاحته للأجيال القادمة. من المتوقع أن تستمر دارة الملك عبدالعزيز في دعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بهذا المشروع، وأن يتم ترجمة بعض الأعمال إلى لغات أخرى لتوسيع نطاق انتشارها. يبقى التحدي المستقبلي هو الاستفادة القصوى من هذا الكنز المعرفي في تطوير المناهج التعليمية وتعزيز الوعي بتاريخ الوطن.
جاء اقتناء هذه المجموعة عبر إهداء من وزير الدولة خالد بن عبدالرحمن العيسى، حفيد المؤرخ، إلى رئيس تحرير «عكاظ» الزميل جميل الذيابي، في مبادرة تمثل وقفاً معرفياً يعزز قيمة الوثيقة ودورها في صيانة تراث الوطن.