يُعتبر الشاعر السعودي فيصل أكرم من أبرز الأصوات الشعرية التي ظهرت في المشهد الأدبي السعودي في التسعينيات. اشتهر أكرم بأسلوبه الشعري الفريد وتوجهه نحو العزلة، مما جعله شخصية مثيرة للجدل والتقدير في آن واحد. هذا المقال يستكشف مسيرته الشعرية، فلسفته في الكتابة والغياب، وتأثيره على الشعر العربي الحديث.
فيصل أكرم: شاعر العزلة وتأثيره في الشعر السعودي
برز فيصل أكرم في فترة شهدت تحولات كبيرة في الشعر السعودي، حيث تمرد شعراء التسعينيات على الأشكال التقليدية وتبنوا أساليب جديدة، مثل قصيدة النثر. سعى هذا الجيل إلى التعبير عن قضايا ذاتية واجتماعية معقدة، متأثرًا بالتيارات الفكرية العالمية. أكرم، من خلال تجربته الشخصية المؤلمة ولغته الشعرية الصادقة، نجح في خلق مساحة خاصة به في هذا المشهد المتغير.
الظروف التاريخية وتأثيرها على جيل التسعينيات
شهدت فترة التسعينيات في السعودية تطورات اجتماعية وثقافية أثرت بشكل كبير على الأدب والشعر. كان هناك شعور متزايد بالتهميش والقلق لدى الشباب، مما دفعهم إلى البحث عن طرق جديدة للتعبير عن أنفسهم. وقد ساهمت هذه الظروف في ظهور جيل شعري متمرد، سعى إلى كسر القيود التقليدية واستكشاف آفاق جديدة في الكتابة.
عندما سُئل أكرم عن ابتعاده عن الأضواء والفعاليات الأدبية، أكد أنه اختيار واعٍ وليس تغييبًا قسريًا. وقال إنه يفضل “الغياب الناصع” على “الحضور المشوه أو المزيف”. ويرى أن الكتابة هي جوهر وجوده، وأنها تستمر طالما بقي على قيد الحياة، بغض النظر عن الظروف الخارجية.
لقد أثرت جائحة كورونا على قناعاته، حيث عززت لديه أهمية العزلة والبعد عن الضوضاء. ويعتقد أن الإنسان يمكن أن يعيش “بالهواء وحده”، وأن الطاقة الفكرية يمكن أن تستنزف بسهولة في محاولة للتكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية.
تجربة حياة مليئة بالفقد
تعتبر تجربة فيصل أكرم الشخصية جزءًا لا يتجزأ من شعره. لقد عانى من اليُتم في سن مبكرة، واعتبر الوظيفة الحكومية وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي. لكنه سرعان ما اكتشف أن شغفه بالكتابة والقراءة يتطلب تفرغًا كاملاً، فقدم استقالته عام 1997.
بالإضافة إلى ذلك، واجه أكرم صعوبات في حياته الزوجية وفقدان أبنائه، مما أثر بشكل عميق على رؤيته للعالم. ويقول إنه استمد قوته من هذه التجار القاسية، وأنها ساعدته في الحفاظ على صوته الشعري الفريد. ويصف حياته بأنها “غابة مشتعلة بالنيران”، وأن هذا الألم هو مصدر إلهامه.
ويرى أكرم أن المؤسسات الأدبية والنقد الأكاديمي غالبًا ما تكون بعيدة عن جوهر الشعر الحقيقي. ويصف علاقته بالمؤسسات بأنها “غير متناسقة”، معتبرًا إياها تكتلات لا تناسب طبيعته الفردية. أما بالنسبة للنقاد، فيقول إنه يحترم جهودهم، لكنه يعتقد أن الدراسات الأكاديمية يجب أن تقتصر على الجامعات.
ويؤكد أكرم على أهمية التجربة الشخصية في الشعر، وأن الشاعر الحقيقي هو الذي يعيش ألمه ويفرح بفرحه. ويرى أن تأثيره لا يكمن في حضوره الإعلامي، بل في قوة نصوصه التي تركت بصمة واضحة في الأدب العربي. ويشير إلى شهادات قامات أدبية كبيرة بحقه، مثل غازي القصيبي وعبدالعزيز المقالح، والتي يعتبرها دليلًا على قيمة شعره.
تُظهر تجربة فيصل أكرم أهمية العزلة والتأمل في عملية الإبداع. في عصر يهيمن عليه الحضور الإعلامي والضوضاء، يقدم أكرم نموذجًا بديلاً للشاعر الذي يجد قيمته في نصه وعلاقته المباشرة مع القارئ.
من المتوقع أن يستمر تأثير فيصل أكرم في الشعر العربي الحديث، وأن تظل نصوصه مصدر إلهام للأجيال القادمة من الشعراء. ومع ذلك، يبقى غيابه المستمر لغزًا يثير فضول القراء والنقاد على حد سواء، مما يجعله شخصية فريدة ومميزة في المشهد الأدبي.