أرسلت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دعوات إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى كيان دولي جديد مقترح يسمى “مجلس السلام”. يأتي هذا الإعلان بعد اقتراح أولي قدم في سبتمبر الماضي كجزء من خطة ترامب لـ السلام في غزة، لكن الدعوة الأخيرة توسع نطاق المجلس ليشمل جهود إنهاء النزاعات على مستوى العالم. وقد أثارت هذه المبادرة ردود فعل متباينة بين الدول، تتراوح بين الحذر والترحيب والرفض الصريح.
تم إرسال الدعوات الرسمية إلى قادة العالم في يناير 2026، وتحدد مسودة الميثاق دورًا للمجلس يتجاوز بكثير القضية الفلسطينية. يهدف الكيان الجديد إلى تعزيز الاستقرار العالمي، واستعادة سيادة القانون والحكم الرشيد، وتحقيق سلام دائم في المناطق التي تعاني من النزاعات أو تواجه تهديدات بها. ووفقًا للمسودة، سيعمل المجلس وفقًا لأحكام القانون الدولي.
نظرة أعمق على “مجلس السلام” ومستقبل العضوية
تتضمن مسودة ميثاق “مجلس السلام” شرطًا مثيرًا للجدل يتعلق بالعضوية. فالدول الأعضاء ستقتصر عضويتها على فترات ثلاث سنوات، ما لم تقم بدفع مبلغ مليار دولار أمريكي لكل دولة للحصول على عضوية دائمة. هذا الشرط أثار انتقادات واسعة النطاق، حيث يرى البعض فيه محاولة لتقويض مبدأ المساواة بين الدول.
آلية عمل المجلس المقترحة
لم يتم الكشف عن تفاصيل كاملة حول آلية عمل المجلس، ولكن من المتوقع أن يركز على الوساطة الدبلوماسية، وتقديم المساعدة الإنسانية، ودعم جهود بناء السلام في المناطق المتضررة. بالإضافة إلى ذلك، قد يشارك المجلس في مراقبة الانتخابات، وتدريب القوات الأمنية، وتعزيز الحوار بين الأطراف المتنازعة. وستعتمد هذه الأنشطة على التمويل المقدم من الدول الأعضاء، سواء كانت عضوية مؤقتة أو دائمة.
ردود الفعل الدولية المتباينة
تتفاعل الدول مع هذه الدعوة بحذر شديد، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات المحتملة على النظام الدولي القائم. وقد أعلنت بعض الدول عن استعدادها للانضمام إلى المجلس، معربة عن أملها في أن يسهم في تحقيق السلام والاستقرار العالميين. ومع ذلك، أعربت دول أخرى عن رفضها القاطع للمبادرة، مشيرة إلى مخاوفها بشأن مستقبل الأمم المتحدة ودورها في حفظ السلام.
أعربت بعض المصادر الدبلوماسية عن قلقها من أن “مجلس السلام” قد يتداخل مع جهود الأمم المتحدة في مجال حفظ السلام والأمن الدوليين. ويرى هؤلاء أن إنشاء كيان جديد موازٍ للأمم المتحدة قد يؤدي إلى تشتيت الجهود وتقويض سلطة المنظمة الدولية. في المقابل، يرى مؤيدو المجلس أنه يمثل آلية جديدة ومرنة للتعامل مع النزاعات المعقدة التي تواجه العالم.
النزاعات الإقليمية هي أحد المجالات التي قد يركز عليها المجلس، بالإضافة إلى قضايا مثل مكافحة الإرهاب والتطرف، وإدارة الموارد الطبيعية، وحماية حقوق الإنسان. وتشير التقارير إلى أن إدارة ترامب كانت تأمل في أن يتمكن المجلس من تحقيق تقدم في حل بعض النزاعات المستعصية في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
من الجانب العربي، لم يصدر حتى الآن رد رسمي موحد. تدرس بعض الدول العربية الدعوة بعناية، مع الأخذ في الاعتبار مصالحها الوطنية ومواقفها تجاه القضايا الإقليمية والدولية. بينما أبدت دول أخرى تحفظاتها، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على دور الأمم المتحدة المركزي في حفظ السلام والأمن.
الدبلوماسية الوقائية قد تكون أحد الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها المجلس. من خلال التدخل المبكر في النزاعات المحتملة، يمكن للمجلس أن يساعد في منع تصاعد العنف وتجنب الكوارث الإنسانية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة المجلس على بناء الثقة مع جميع الأطراف المعنية، وتقديم حلول عادلة ومستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، يثير شرط الدفع الملياري تساؤلات حول مدى تمثيلية المجلس. فقد يؤدي هذا الشرط إلى استبعاد العديد من الدول النامية والفقيرة، مما يقلل من شرعية المجلس ويحد من قدرته على تحقيق أهدافه. ويرى البعض أن هذا الشرط يتعارض مع مبدأ المساواة بين الدول، ويشكل تمييزًا صارخًا.
تعتبر هذه المبادرة جزءًا من رؤية أوسع لإدارة ترامب حول إعادة تشكيل النظام الدولي. وقد اتخذت الإدارة في السابق خطوات مماثلة، مثل الانسحاب من بعض المعاهدات والمنظمات الدولية، وتقليل التمويل المقدم للأمم المتحدة. ويرى البعض أن هذه الخطوات تهدف إلى تقويض دور المنظمات الدولية التقليدية، وتعزيز النفوذ الأمريكي في العالم.
في الوقت الحالي، لا يزال مستقبل “مجلس السلام” غير واضح. من المتوقع أن تستمر الدول في تقييم الدعوة، والتعبير عن مواقفها المختلفة. وستعتمد الخطوة التالية على مدى قدرة إدارة ترامب على إقناع الدول الأخرى بجدوى المبادرة، وتقديم ضمانات بشأن احترام سيادتها ومصالحها الوطنية. من المهم مراقبة ردود الفعل الرسمية من الدول الرئيسية، وخاصة تلك التي تلعب دورًا مهمًا في حفظ السلام والأمن الدوليين، لمعرفة ما إذا كانت هذه المبادرة ستتحول إلى واقع ملموس أم ستظل مجرد اقتراح على الورق.
من المقرر أن تنتهي فترة التقييم الأولية للدول المدعوة في نهاية شهر يوليو 2026. في ذلك الوقت، من المتوقع أن تعلن إدارة ترامب عن قائمة الدول التي وافقت على الانضمام إلى المجلس، وتفاصيل حول كيفية تمويل أنشطته. ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من الأسئلة دون إجابة، مثل كيفية اختيار أعضاء المجلس الدائمين، وكيفية ضمان استقلالية المجلس وعدم تأثره بالمصالح السياسية للدول المانحة.