شهد سوق الذهب تقلبات حادة في الآونة الأخيرة، وهو ما يذكر المستثمرين بأن أسعار المعادن الثمينة لا ترتفع بشكل مستمر. على الرغم من الاتجاه الصعودي طويل الأجل، انخفضت أسعار الذهب بأكثر من 10% في تداولات الجمعة الأخيرة من يناير، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أوائل الثمانينيات، وفقًا لتقارير بلومبرج. هذا التراجع المفاجئ يأتي بعد فترة من الارتفاعات المتتالية التي تجاوزت توقعات العديد من المحللين، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الذهب كأصل استثماري.
تقلبات أسعار الذهب وأسبابها
كان الارتفاع السابق للذهب مدفوعًا بعدة عوامل، بما في ذلك المخاطر الجيوسياسية المتزايدة، وعدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية، وتراجع قيمة الدولار الأمريكي. في عام 2025، شهد الذهب أفضل مكسب سنوي له في ما يقرب من نصف قرن، حيث ارتفع بنسبة 65%، مما يعكس جاذبيته كملاذ آمن في عالم مضطرب. ومع ذلك، فإن هذا الارتفاع السريع أثار أيضًا مخاوف بشأن المبالغة في التقييم، مما جعل السوق عرضة للتصحيح.
تأثير التغييرات المحتملة في السياسة النقدية
أحد المحفزات الرئيسية للانخفاض الأخير في أسعار الذهب كان الإعلان عن اختيار الرئيس السابق دونالد ترامب لحاكم الاحتياطي الفيدرالي السابق كيفن وارش ليحل محل جيروم باول. يعتبر وارش متشددًا بشأن التضخم، ومن المتوقع أن يقاوم الدعوات لخفض أسعار الفائدة، مما قد يؤدي إلى تعزيز الدولار الأمريكي، وهو ما يعتبر عادةً أمرًا سلبيًا بالنسبة للذهب. يرى المحللون أن هذا التعيين قلل من حالة عدم اليقين المحيطة بالسياسة النقدية الأمريكية.
دور البنوك المركزية والمضاربين
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت زيادة متطلبات الهامش من قبل بورصة شيكاغو التجارية (CME) في الضغط على المستثمرين، مما أجبر البعض على البيع. ومع ذلك، لا يزال الطلب القوي من البنوك المركزية العالمية يمثل عاملاً داعمًا لأسعار الذهب. فقد اشترت البنوك المركزية أكثر من 863 طنًا من الذهب في العام الماضي، ومن المتوقع أن تستمر في الشراء في العام الحالي، بهدف تنويع احتياطياتها وتقليل تعرضها لتقلبات العملات. كما أن المضاربين لعبوا دورًا في زيادة الطلب على الذهب في بداية العام.
الذهب كملاذ آمن في ظل المخاطر الجيوسياسية
على الرغم من التقلبات الأخيرة، لا يزال الذهب يعتبر ملاذًا آمنًا موثوقًا به في أوقات الأزمات. فقد أثبت الذهب قدرته على الحفاظ على قيمته على مر التاريخ، حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة. يرى المحللون أن المناخ الجيوسياسي الحالي، الذي يتسم بالتوترات المتزايدة وعدم اليقين، يدعم الطلب على الذهب. فمنذ غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022، أصبح سوق الذهب أكثر حساسية للأحداث الجيوسياسية، حيث يميل إلى الاحتفاظ بمكاسبه حتى بعد حل هذه الأحداث.
تحليل فني لمستويات الدعم والمقاومة
وفقًا للتحليل الفني، قد يجد سعر الذهب دعمًا حول متوسط الحركة لمدة 50 يومًا، والذي كان حوالي 4,455 دولارًا أمريكيًا في نهاية الأسبوع الماضي. يراقب المستثمرون متوسطات الحركة كإشارات للزخم، حيث يشير الحفاظ على السعر فوق المتوسط إلى اتجاه صعودي، بينما يشير الانخفاض دونه إلى اتجاه هبوطي. تشير التقديرات إلى أن التصحيح الحالي قد يستمر لبضعة أسابيع، لكنه لا يمثل بالضرورة مشكلة طويلة الأجل للسوق.
نظرة مستقبلية لسوق الذهب
يتوقع خبراء استراتيجية الذهب أن يظل الطلب على الذهب قويًا على المدى الطويل، مدفوعًا بالعوامل الهيكلية مثل المخاطر الجيوسياسية، وعدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية، ورغبة البنوك المركزية في تنويع احتياطياتها. تشير التوقعات إلى أن سعر الذهب قد يصل إلى 5,400 دولار للأوقية في العام الحالي، وهو مستوى تم تجاوزه مؤقتًا بالفعل. ومع ذلك، فإن سوق الاستثمار في الذهب لا يزال غير مستقر بعد الارتفاع الحاد والانخفاض المفاجئ، وسيتطلب بعض الوقت حتى يتعافى. من المهم مراقبة تطورات السياسة النقدية الأمريكية، والتوترات الجيوسياسية، والطلب الفعلي على الذهب من المستهلكين والمستثمرين.
في الختام، يظل مستقبل الذهب غير مؤكدًا، لكنه لا يزال يمثل أصلًا جذابًا للمستثمرين الذين يبحثون عن ملاذ آمن في عالم مضطرب. من المتوقع أن يستمر الطلب على الذهب في النمو على المدى الطويل، لكن السوق قد يشهد المزيد من التقلبات في المدى القصير. سيراقب المستثمرون عن كثب البيانات الاقتصادية، والأحداث الجيوسياسية، وقرارات البنوك المركزية لتقييم اتجاهات السوق واتخاذ قرارات استثمارية مستنيرة.