بدأت المدارس في دولة الإمارات العربية المتحدة في تقديم دعم عاطفي مكثف للطلاب في أعقاب فقدان عدد منهم لأصدقائهم وزملائهم في ظروف مأساوية. يشهد النظام التعليمي تحولاً نحو الاعتراف بالحزن كجزء طبيعي من الحياة وتقديم مساحات آمنة للطلاب للتعبير عن مشاعرهم. وتأتي هذه الجهود بعد حادث سير مروع في أبوظبي أودى بحياة أربعة أشقاء هنود، ووفاة الطالبة عائشة مريم في الشارقة، مما سلط الضوء على الحاجة الماسة إلى معالجة قضايا الموت والفقدان في البيئة المدرسية.
لقد أثارت هذه الحوادث نقاشاً واسعاً حول أفضل الطرق التي يمكن للمدارس من خلالها مساعدة الطلاب على التعامل مع الحزن والألم العاطفي. وتواجه المؤسسات التعليمية تحدياً في إيجاد التوازن بين تقديم الدعم اللازم واحترام خصوصية الطلاب وعائلاتهم.
التعامل مع الحزن في المدارس الإماراتية
يقول التربويون إن التعامل مع الحزن في المدارس يتطلب نهجاً دقيقاً وحساساً. فبالنسبة للطلاب الأصغر سناً، قد يكون من الضروري شرح الموت بطريقة بسيطة ومباشرة، مع التركيز على أن المتوفى لن يعودوا موجودين جسدياً. أما بالنسبة للمراهقين، فقد يحتاجون إلى مساحة أكبر للتعبير عن مشاعرهم بطرق مختلفة، مثل الكتابة أو الرسم أو التحدث مع الأصدقاء.
أهمية اختيار الكلمات بعناية
يشدد الخبراء على أهمية اختيار الكلمات بعناية عند التحدث مع الطلاب عن الموت. يجب تجنب استخدام المصطلحات الغامضة أو المجازية التي قد تربكهم أو تثير قلقهم. بدلاً من ذلك، يجب استخدام لغة واضحة ومباشرة، مع التأكيد على أن الحزن هو شعور طبيعي وصحي.
يتذكر برامود ماهاجان، مدير المدرسة الهندية بالشارقة، كيف تعامل مع وفاة الطالبة عائشة مريم. قام بزيارة فصلها الدراسي والجلوس على مقعدها الفارغ، في محاولة لطمأنة زملائها. وأكد على أهمية الاستماع إلى الطلاب وتقديم الدعم العاطفي المستمر، مع إدراك أن كل طفل يعالج الحزن بطريقته الخاصة.
دور المستشارين المدرسيين
يلعب المستشارون المدرسيون دوراً حيوياً في مساعدة الطلاب على التعامل مع الحزن. يقدمون جلسات استشارية فردية وجماعية، ويساعدون الطلاب على تحديد مشاعرهم والتعبير عنها بطرق صحية. كما يعملون بشكل وثيق مع المعلمين وأولياء الأمور لضمان حصول الطلاب على الدعم اللازم في المنزل والمدرسة.
وفي حالة وفاة أربعة أشقاء في حادث سير، قامت مدرسة الوحدة العربية في دبي بتقديم الدعم العاطفي للطلاب المتضررين. وألقت إدارة المدرسة كلمة قوية طلبت من الطلاب الدعاء للمتوفين، وقدمت المستشارة المدرسية جلسات استشارية للطلاب الذين كانوا بحاجة إليها. وتشير التقارير إلى أن المدارس تزيد من تخصيص مواردها للصحة النفسية للطلاب.
من الذكرى إلى التعافي: بناء مجتمع داعم
تؤكد التربوية ليزا جونسون على أهمية بناء مجتمع مدرسي داعم يمكن فيه للطلاب والشغيلة مشاركة مشاعرهم. في الأكاديمية الأمريكية للبنات، قامت بتنظيم فعاليات تذكارية للطالبة حصة التي توفيت بسبب السرطان، مثل كتابة رسائل وذكريات عنها وربط شرائط صفراء على شجرة ذكرى. هذه الإيماءات الصغيرة ساعدت الطلاب على بدء عملية التعافي.
بالإضافة إلى ذلك، قامت الأكاديمية بتطبيق نظام لفرز الرفاهية لتحديد الطلاب الذين يعانون من ضائقة وربطهم ببالغين موثوقين. كما قدمت إرشادات للمعلمين حول كيفية الاستجابة بحساسية لاحتياجات الطلاب العاطفية.
ويرى جيريش همناني، مدرب الحياة والمعالج بالطاقة، أن التحدي يكمن في مساعدة الأطفال على فهم ما يشعرون به. ويصف الحزن بأنه “وزن غير مألوف” يزعزع شعور الطفل بالأمان. ويحذر من أن الحزن غالباً ما يختبئ وراء سلوكيات قد يسيء البالغون فهمها، مثل التهيج أو الإرهاق.
ويشدد همناني على أهمية تجنب استخدام المصطلحات الغامضة عند شرح الموت، والدعوة إلى الصدق اللطيف والطمأنة. ويؤكد على ضرورة تحديد “مراسي آمنة” للأطفال، مثل الوالدين أو المستشارين المدرسيين، لكي يلجأوا إليها عندما يصبح الحزن غامراً.
من المتوقع أن تستمر المدارس في دولة الإمارات في تطوير وتنفيذ برامج لدعم الصحة النفسية للطلاب. وتشمل الخطط المستقبلية زيادة عدد المستشارين المدرسيين، وتوفير التدريب للمعلمين حول كيفية التعامل مع الحزن، وتوعية أولياء الأمور بأهمية الدعم العاطفي. يبقى التحدي في ضمان وصول هذه الخدمات إلى جميع الطلاب المحتاجين، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البعض.