مع اجتياح موجة برد غير اعتيادية لدولة الإمارات هذا الأسبوع، تساءل العديد من السكان عن أسباب هذا الطقس البارد، وعلاقته بالتغيرات المناخية العالمية، والتوقعات المستقبلية. صرح الدكتور محمد العبري، مدير إدارة الأرصاد الجوية في المركز الوطني للأرصاد الجوية، بأن هذا الطقس هو جزء من أنماط مناخية عالمية أوسع، مع دور رئيسي لظاهرة النينيا.
أسباب موجة البرد في الإمارات وعلاقتها بالظواهر المناخية العالمية
أوضح الدكتور العبري أن موجة البرد الحالية ليست حدثًا محليًا منعزلاً، بل هي نتيجة لتفاعل عدة عوامل مناخية عالمية. تلعب ظاهرة النينيا دورًا محوريًا في هذه الديناميكيات، حيث تؤثر على أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم من خلال تغيير درجات حرارة سطح البحر والضغط الجوي.
ما هي ظاهرة النينيا؟
تحدث ظاهرة النينيا عندما تشتد الرياح التجارية في المحيط الهادئ، مما يدفع المياه الدافئة غربًا ويسمح للمياه الباردة العميقة بالصعود إلى السطح في المناطق الاستوائية الوسطى والشرقية. يؤدي هذا التغيير في درجات حرارة المياه إلى اضطرابات في الدورة الجوية، مما يؤثر على أنماط الأمطار والرياح ودرجات الحرارة على نطاق واسع.
تؤثر النينيا على أنماط الضغط والرياح العالمية، مما يزيد من احتمالية حدوث موجات هواء بارد في مناطق معينة، بما في ذلك أجزاء من نصف الكرة الشمالي مثل دولة الإمارات. تشير التحليلات الحديثة إلى وجود ظروف النينيا في المحيط الهادئ الاستوائي، على الرغم من أنها ضعيفة نسبيًا وقد تكون قصيرة الأجل.
تأثير النينيا على مناطق أخرى من العالم
تعتبر ظاهرة النينيا ذات تأثير عالمي واسع، خاصة في نصف الكرة الشمالي حيث تتحرك الأنظمة الجوية بشكل عام من الغرب إلى الشرق. في أمريكا الشمالية وأوروبا، ساهمت اضطرابات الدوامة القطبية – والتي ترتبط جزئيًا بالاحترار المفاجئ في طبقة الستراتوسفير – في زيادة فرص تدفق الهواء البارد جنوبًا، مما أدى إلى ظروف أكثر برودة من المعتاد في العديد من المناطق.
في المقابل، الوضع في نصف الكرة الجنوبي مختلف. تظهر البيانات الأرصادية أن تأثير النينيا يكون الأكبر على أنماط الطقس الاستوائية وشمال الكرة الأرضية. بينما يمكن أن تؤثر النينيا أيضًا على مناطق مثل أستراليا ونيوزيلندا، إلا أن تأثيراتها هناك ليست دائمًا على شكل موجات برد.
على سبيل المثال، شهدت أجزاء من جنوب شرق أستراليا موجات حر شديدة في يناير الماضي، حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مدن رئيسية. وهذا يذكرنا بأن الظواهر الجوية المتطرفة يمكن أن تحدث حتى خلال مرحلة النينيا، خاصة مع تفاقم آثار تغير المناخ طويل الأمد. كما سجلت أستراليا درجات حرارة سطح بحر هي الأعلى على الإطلاق حول القارة، مما يزيد من حدة موجات الحر والظواهر الجوية القاسية.
بالنسبة لنيوزيلندا، تشير السلطات المناخية إلى أن ظاهرة النينيو/التذبذب الجنوبي تؤثر على أنماط درجات الحرارة وهطول الأمطار، ولكن هذه التأثيرات تختلف باختلاف الموسم والمنطقة. خلال النينيا، قد تشهد بعض المناطق ظروفًا أكثر رطوبة وتغيرات في أنماط الرياح بدلاً من موجة برد مستمرة.
هل هذه الموجة الباردة غير مسبوقة؟
أكد الدكتور العبري أن موجات البرد ليست ظاهرة جديدة في دولة الإمارات. على الرغم من أن درجات الحرارة الأخيرة بدت منخفضة بشكل ملحوظ، خاصة في الليل وفي المناطق الصحراوية الداخلية، إلا أنها “ليست الأبرد على الإطلاق” وفقًا للسجلات التاريخية. تُظهر البيانات أن الإمارات قد شهدت درجات حرارة أقل في فصول الشتاء السابقة، وأن البرد القارس في المناطق الجبلية ليس أمرًا غير معتاد.
ومع ذلك، فإن ما يتغير هو تكرار التقلبات المناخية مثل النينيا والنينو. في الماضي، كانت هذه الدورات تحدث عادةً كل 5-7 سنوات، بينما تشير التقديرات الحالية إلى أنها قد تحدث كل 2-3 سنوات بسبب التغيرات المناخية الأوسع نطاقًا. وهذا يجعل أنماط الطقس أكثر تقلبًا وصعوبة في التنبؤ، كما أوضح الدكتور العبري.
توقعات الطقس المستقبلية في الإمارات
بالنظر إلى المستقبل القريب، توقع الدكتور العبري استمرار الطقس البارد لبضعة أيام، مع بقاء درجات الحرارة أقل من المتوسط خلال الليل وشعور بالبرودة خلال النهار. ومع ذلك، من المتوقع حدوث تحسن طفيف في درجات الحرارة قريبًا، مع احتمال هطول أمطار خفيفة في المناطق الشمالية والشرقية حوالي 25 يناير. بعد ذلك، قد تشهد درجات الحرارة تقلبات، مع فترات برد متقطعة وفترات دافئة معتدلة خلال موسم الشتاء.
بشكل عام، يمكن توقع تقلبات شتوية اعتيادية – مع ليالٍ باردة وأيام معتدلة، واحتمال حدوث موجات برد عرضية – ولكن لا يُتوقع حدوث تطرفات مطولة. يجب على السكان متابعة التحديثات الجوية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد الجوية للاستعداد لأي تغييرات محتملة في الطقس.