تمكن نظام ذكاء اصطناعي، طوره باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI)، من التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة بها قبل سنوات، وذلك من خلال تحليل بسيط لبيانات سكر الدم. هذه التكنولوجيا الجديدة قد تُحدث ثورة في مجال التشخيص المبكر لأمراض القلب، خاصة في ظل ارتفاع معدلات السمنة والسكري في دولة الإمارات العربية المتحدة. تعتمد هذه الدراسة على تحليل بيانات الجلوكوز المستمرة، مما يفتح آفاقًا جديدة للرعاية الصحية الوقائية.
نظام الذكاء الاصطناعي يتنبأ بأمراض القلب بدقة عالية
أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة “Nature” أن نظام الذكاء الاصطناعي “GluFormer” قادر على التنبؤ بمن هم عرضة لخطر الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية قبل حدوثها بما يصل إلى 12 عامًا. وقاد الدراسة البروفيسور إيران سيغال من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، والتي أكدت أن الأجهزة القابلة للارتداء لمراقبة الجلوكوز المستمرة يمكن أن تكشف عن مخاطر صحية خفية لا تظهر في الفحوصات التقليدية.
تحليل “مسارات المخاطر” الأيضية
يعمل النظام عن طريق تحليل أنماط قراءات الجلوكوز على مدار فترة زمنية قصيرة نسبيًا، تتراوح بين 10 و 14 يومًا. بدلاً من الاعتماد على قراءة واحدة لنسبة السكر في الدم، يركز “GluFormer” على ما يصفه الباحثون بـ “مسارات المخاطر” – وهي الأنماط التي تكشف عن كيفية تعامل الجسم مع الطاقة على مدار اليوم، بما في ذلك الاستجابة للوجبات وأثناء النوم.
وفقًا للبروفيسور سيغال، فإن الفحوصات التقليدية تقدم “صورة فوتوغرافية ثابتة” بينما يوفر “GluFormer” “فيلمًا سينمائيًا كاملاً” للحياة الأيضية للفرد. وقد نجح النظام في تحديد 69% من حالات الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية في المجموعة الأكثر عرضة للخطر، بينما لم يسجل أي وفيات في المجموعة الأقل عرضة للخطر.
أهمية البحث في دولة الإمارات العربية المتحدة
يأتي هذا البحث في وقت حاسم بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تشير التقارير إلى أن حوالي 40% من البالغين والأطفال يعانون من السمنة. تساهم السمنة بشكل كبير في زيادة معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسرطان. لذلك، فإن القدرة على التنبؤ بهذه الأمراض في وقت مبكر يمكن أن تساعد في تحسين نتائج العلاج وتقليل العبء على النظام الصحي.
وكشفت الدراسة أيضًا عن وجود قصور في أدوات التشخيص الحالية، حيث أظهرت أن 40% من المشاركين الذين تم تصنيفهم على أنهم “طبيعيون” باستخدام اختبارات الجلوكوز الصائم التقليدية، كانوا يعانون من أنماط جلوكوز تتفق مع مرحلة ما قبل السكري عند مراقبتهم بشكل مستمر. وهذا يؤكد أهمية المراقبة المستمرة للجلوكوز للكشف عن المشاكل الصحية المحتملة في وقت مبكر.
دقة التنبؤ والتكامل مع البيانات الغذائية
أظهر “GluFormer” دقة عالية في التنبؤ بمخاطر الإصابة بالسكري، حيث حدد 66% من الحالات المستقبلية بشكل صحيح، متفوقًا على اختبار (HbA1c) الذي يعتبر المعيار السريري الحالي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للنظام التنبؤ بمؤشرات أخرى مثل الدهون الحشوية ووظائف الكلى وصحة الكبد وملفات الدهون، بناءً على ديناميكيات الجلوكوز فقط.
وقد تحسنت دقة التنبؤ بشكل كبير عندما تم دمج البيانات الغذائية مع قراءات الجلوكوز، حيث وصلت إلى أكثر من 90% من المشاركين. هذا يشير إلى أن فهم العلاقة بين النظام الغذائي ومستويات الجلوكوز يمكن أن يساعد في تخصيص خطط الرعاية الصحية بشكل أكثر فعالية. تعتبر هذه القدرة على تحليل البيانات الغذائية ميزة إضافية للنظام.
الرؤية المستقبلية والتحديات
تتمثل الرؤية طويلة المدى في إنشاء “توأم رقمي” لعملية التمثيل الغذائي لكل فرد، وهو نموذج افتراضي يمكنه محاكاة تأثير تغييرات نمط الحياة على الصحة المستقبلية. ومع ذلك، يؤكد البروفيسور سيغال أن الاستخدام السريري الواسع النطاق لهذه التكنولوجيا لا يزال بعيدًا بعض الشيء، حيث أن الأنظمة الصحية الحالية تعتمد بشكل كبير على الفحوصات الدورية.
يتطلب تبني هذه التكنولوجيا إجراء المزيد من التجارب السريرية وتطوير بنية تحتية جديدة في المستشفيات قادرة على التعامل مع تدفقات البيانات المستمرة. ومع ذلك، نظرًا لمشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل مباشر في هذا البحث، فإن المؤسسات المحلية في وضع جيد للمشاركة في دراسات التحقق المستقبلية مع اقتراب الطب التنبؤي من الاستخدام العملي. من المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية الإضافية في غضون العام المقبل لتقييم فعالية النظام في بيئات الرعاية الصحية الواقعية.