تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً كبيراً في الشركات العائلية، حيث تنتقل الملكية والإدارة من الجيل الأول إلى الأجيال اللاحقة. هذا الانتقال، الذي يصفه خبراء الاقتصاد بـ “انتقال الثروة العظيم”، يؤثر بشكل متزايد على المشهد الاقتصادي في المنطقة. وتستعد هذه الشركات لمواجهة تحديات وفرص جديدة في ظل التغيرات العالمية المتسارعة.
يحدث هذا التحول في الوقت الحالي، مع توقعات بتسارعه خلال العقد القادم. وتتركز هذه التغييرات بشكل خاص في الشركات التي تأسست خلال فترة ازدهار النفط والغاز في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن حجم الثروة التي ستنتقل خلال هذه الفترة قد يصل إلى تريليونات الدولارات، مما يجعلها فترة حاسمة لمستقبل هذه الشركات ودورها في الاقتصاد الإماراتي.
تحديات وفرص انتقال الثروة في الشركات العائلية
لا يقتصر انتقال الثروة في الشركات العائلية على مجرد توزيع الأصول المالية. بل يشمل أيضاً نقل الخبرات والمعرفة والقيم المؤسسية إلى الجيل الجديد. وهذا يتطلب تخطيطاً دقيقاً وإدارة فعالة لضمان استمرارية الشركة ونموها المستقبلي.
أهم التحديات التي تواجه الشركات العائلية
من أبرز التحديات التي تواجه هذه الشركات، مقاومة التغيير من قبل بعض أفراد العائلة. قد يفضل البعض الحفاظ على الوضع الراهن وعدم إدخال تعديلات جذرية على طريقة إدارة الشركة. بالإضافة إلى ذلك، قد تفتقر الأجيال الجديدة إلى الخبرة الكافية في مجال الأعمال، مما يتطلب توفير برامج تدريب وتطوير مناسبة.
تعتبر قضايا الحوكمة أيضاً من التحديات الهامة. غالباً ما تكون الشركات العائلية أقل رسمية في هياكلها الإدارية مقارنة بالشركات المساهمة العامة. وهذا قد يؤدي إلى تضارب المصالح وصعوبة اتخاذ القرارات. كما أن عدم وجود خطط واضحة للخلافة يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين ويؤثر سلباً على أداء الشركة.
استراتيجيات التكيف مع التغيرات
لمواجهة هذه التحديات، تتجه الشركات العائلية في الإمارات إلى تبني استراتيجيات جديدة. يشمل ذلك إشراك الأجيال الجديدة في عملية صنع القرار بشكل تدريجي. كما أن العديد من هذه الشركات بدأت في الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار لتحسين كفاءتها وقدرتها التنافسية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك توجه متزايد نحو تحسين الحوكمة من خلال إنشاء مجالس إدارة مستقلة وتطبيق معايير الشفافية والمساءلة. ويهدف ذلك إلى تعزيز الثقة بين أفراد العائلة وأصحاب المصلحة الآخرين.
دور الحكومة في دعم انتقال الثروة
تدرك الحكومة الإماراتية أهمية الشركات العائلية في الاقتصاد الوطني. لذا، فقد اتخذت عدة مبادرات لدعم هذه الشركات ومساعدتها على تجاوز تحديات انتقال الثروة. تتعاون وزارة الاقتصاد مع مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الغرف التجارية والمؤسسات المالية، لتقديم المشورة والتدريب للشركات العائلية.
أيضاً، تعمل الحكومة على تطوير الإطار القانوني بما يضمن حقوق جميع الأطراف المعنية ويسهل عملية نقل الملكية. وقد تم إطلاق العديد من البرامج التمويلية لدعم الشركات العائلية في توسيع نطاق أعمالها وتنويع مصادر دخلها. ويشمل ذلك دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تمثل جزءاً كبيراً من هذه الشركات. (وفقاً لبيانات وزارة الاقتصاد).
أهمية التنويع الاقتصادي
تعتبر خطط التنويع الاقتصادي التي تتبناها الإمارات عاملاً مهماً في تحول الشركات العائلية. مع تقليل الاعتماد على النفط والغاز، تسعى هذه الشركات إلى الاستثمار في قطاعات جديدة مثل السياحة والتكنولوجيا والخدمات المالية. وهذا يتطلب منها تطوير مهارات جديدة وتبني نماذج عمل مبتكرة. كما يشجع التنويع على الاستثمار في رأس المال البشري.
وفي المقابل، قد تكون بعض الشركات العائلية أكثر حذراً في تبني استراتيجيات التنويع، مفضلة التركيز على القطاعات التي تتمتع فيها بميزة تنافسية قوية. ولكن بشكل عام، هناك إدراك متزايد بأهمية التكيف مع التغيرات الاقتصادية والاستعداد للمستقبل.
الانتقال الرقمي كعامل مساعد
لا يمكن الحديث عن مستقبل الشركات العائلية بدون الإشارة إلى أهمية التحول الرقمي. فقد أثبتت جائحة كوفيد-19 مدى أهمية التكنولوجيا في ضمان استمرارية الأعمال. لذا، فإن العديد من هذه الشركات بدأت في الاستثمار في الحلول الرقمية مثل التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التحول الرقمي يساعد الشركات العائلية على تحسين كفاءتها التشغيلية وتخفيض التكاليف وزيادة رضا العملاء. وهذا يعزز قدرتها التنافسية ويساهم في نموها المستقبلي. ويسهم أيضاً في جذب الكفاءات الشابة التي تتقن التكنولوجيا.
يتوقع خبراء الاقتصاد أن يشهد مستقبل الشركات العائلية في الإمارات مزيداً من التغييرات والتحولات. مع تزايد الضغوط التنافسية وتغير تفضيلات المستهلكين، سيتعين على هذه الشركات أن تكون أكثر مرونة وابتكاراً. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة المزيد من عمليات الدمج والاستحواذ والشراكات الاستراتيجية بين الشركات العائلية. وينتظر متابعة التطورات التشريعية المتعلقة بالحوكمة وتسهيل انتقال الأصول.
تبقى المراقبة الدقيقة لأداء هذه الشركات وتقييم مدى نجاحها في التكيف مع التغيرات، أمراً ضرورياً لفهم مستقبل الاقتصاد الإماراتي. كما أن مراقبة سياسات الحكومة والبيانات الاقتصادية المتعلقة بالشركات العائلية ستوفر رؤى قيمة حول اتجاهات السوق.