كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Cell العلمية عن آلية بيولوجية مقلقة تربط بين الأنظمة الغذائية عالية الدهون، مثل حمية الكيتو، وزيادة خطر الإصابة بسرطان الكبد. وتوضح الأبحاث كيف يمكن أن تتحول خلايا الكبد السليمة إلى خلايا بدائية أكثر عرضة للتحول السرطاني، مما يثير تساؤلات حول سلامة هذه الأنظمة الغذائية على المدى الطويل.
أجرى فريق بحثي مشترك من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد تجارب على الفئران، حيث تم تغذيتها بنظام غذائي غني بالدهون. وقد تتبع الباحثون التغيرات الجزيئية التي طرأت على خلايا كبد هذه الفئران، ووجدوا نتائج صادمة تشير إلى أن هذه الأنظمة الغذائية قد تؤدي إلى تغييرات خطيرة في وظائف الكبد.
تأثير الأنظمة الغذائية عالية الدهون على خلايا الكبد
أظهرت الدراسة أن خلايا الكبد (الهيباتوسايت) بدأت في تنشيط جينات تساعدها على البقاء في البيئة الدهنية الصعبة، ولكن في المقابل، تم إيقاف تشغيل الجينات المسؤولة عن وظائف الكبد الطبيعية. يصف الباحثون هذه العملية بأنها “مفاضلة بيولوجية”، حيث تكتسب الخلايا القدرة على تحمل الإجهاد الدهني ولكنها تفقد هويتها الوظيفية الأساسية.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الباحثين اكتشفوا نفس النمط الجيني لدى مرضى الكبد البشريين. فقد وجدوا أن المرضى الذين أظهروا مستويات عالية من هذه “الجينات المؤيدة للبقاء” عاشوا فترات أقصر بعد تشخيص أورام الكبد، مما يشير إلى وجود علاقة مباشرة بين هذه التغيرات الجينية وتطور المرض.
التحول إلى حالة “النضج المتخلف”
يوضح البروفيسور أليكس شاليك، المشارك في الدراسة، أن هذه الخلايا تبدأ في التعبير عن نفس الجينات التي ستحتاجها لتصبح سرطانية في المستقبل. وهذا يعني أنها تحصل على “بداية مبكرة” في طريق التحول الخبيث. ويضيف أن التعرض المزمن لنظام غذائي عالي الدهون يدفع خلايا الكبد نحو حالة “النضج المتخلف”، حيث تتراجع إلى حالة أشبه بالخلايا الجذعية أو الخلايا الأولية، مما يزيد من قابليتها للتحول السرطاني.
بينما استغرقت العملية في الفئران حوالي عام واحد، يؤكد الباحثون أن الأمر قد يستغرق حوالي عشرين عامًا لدى البشر. ومع ذلك، فإن هذا الجدول الزمني قد يسرع بشكل كبير مع عوامل أخرى مثل الإفراط في تناول الكحول أو الإصابة بالفيروسات الكبدية، مما يزيد من خطر الإصابة بسرطان الكبد.
حمية الكيتو والانتشار الواسع
يأتي هذا التحذير العلمي في وقت يشهد فيه نظام الكيتو الغذائي انتشارًا واسعًا، مدفوعًا بتأييد المشاهير مثل جوينيث بالترو وجينيفر أنيستون، الذين يروجون لفعاليته في إنقاص الوزن السريع. يتكون هذا النظام من 75% دهون و5% فقط كربوهيدرات، وهو يختلف بشكل كبير عن التوصيات الصحية الرسمية التي تنادي بنسبة 50% كربوهيدرات و30% دهون.
تعتبر حمية الكيتو خيارًا غذائيًا مثيرًا للجدل، حيث يرى البعض أنها فعالة في إنقاص الوزن وتحسين بعض الحالات الصحية، بينما يحذر آخرون من مخاطرها المحتملة على المدى الطويل، بما في ذلك تأثيرها على صحة الكبد. صحة الكبد هي محور القلق الرئيسي في هذه الدراسة، حيث تشير النتائج إلى أن الأنظمة الغذائية عالية الدهون قد تؤدي إلى تغييرات جزيئية تزيد من خطر الإصابة بسرطان الكبد.
الأنظمة الغذائية بشكل عام، لها تأثير كبير على صحة الجسم، ويجب اختيارها بعناية بناءً على الاحتياجات الفردية والتوصيات الصحية. من المهم استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية قبل البدء في أي نظام غذائي جديد، خاصة إذا كنت تعاني من أي مشاكل صحية.
على الرغم من هذه النتائج المقلقة، يرى الباحثون بارقة أمل في إمكانية عكس هذا الضرر. فهم يدرسون حاليًا إمكانية استخدام أدوية إنقاص الوزن الحديثة، مثل “منجارو” (من فئة أدوية GLP-1 مثل “أوزيمبيك”)، لمساعدة الكبد على حرق الدهون الزائدة. كما أن فهم الآلية الجزيئية الجديدة يوفر أهدافًا علاجية مبتكرة يمكن أن تحسن نتائج علاج المرضى في المستقبل.
لا تدعو هذه الدراسة إلى الهلع، بل إلى الوعي. فالمعرفة الجديدة تعطينا زوايا جديدة لفهم بيولوجيا المرض، وتذكرنا بأن كل خيار غذائي نفعله اليوم قد يكون له صدى طويل الأمد في صحتنا غدًا. من المتوقع أن يستمر الباحثون في دراسة هذه الآلية الجزيئية وتأثيرها على صحة الكبد، وأن يتم تطوير علاجات جديدة تستهدف هذه العملية في المستقبل القريب.
المصدر: ديلي ميل