مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض باعتباره الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، يتجه الاهتمام نحو سيطرة الجمهوريين الوشيكة على مجلس الشيوخ وحصولهم على الأغلبية في مجلس النواب. وهذا يعني حدوث تحول كبير في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية وإطلاق ديناميكية تهيمن عليها الموجة الحمراء والتي ستكون متناغمة مع السلطة التنفيذية.
ومع سيطرة الجمهوريين على الكونجرس، فإن ترامب لديه فرصة حقيقية لإعادة تشكيل اتجاه الإدارة الأمريكية بما يتوافق مع رؤيته وسياساته، خاصة فيما يتعلق بقضايا الهجرة وأمن الحدود.
إن انتصار ترامب له آثار تتجاوز الولايات المتحدة، لأنه يوضح صعود اليمين المتطرف ليس فقط في الولايات المتحدة، بل على مستوى العالم. وربما نشهد في الواقع في المستقبل القريب تحسنا في حظوظ اليمين المتطرف في أوروبا، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التكيف مع التوجهات الأميركية الجديدة في عهد ترامب. ومن المرجح أن تتجدد الضغوط الأميركية على دول الاتحاد الأوروبي لحملها على زيادة قوات حلف شمال الأطلسي، كما كانت الحال أثناء فترة ولايته الأولى، وبالتالي خلق أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية.
وترى روسيا في عودة ترامب فرصة لإنهاء الحرب مع أوكرانيا. ويأمل الرئيس فلاديمير بوتين أن يتبنى ترامب نهجا أكثر مرونة يقوم على فهم أن الحرب ناجمة عن أخطاء الإدارة الأمريكية السابقة، وبالتالي لن يضطر ترامب إلى تحمل عبء الصراع. وهذا يعني وقف الحرب والتوصل إلى اتفاقات بسرعة.
ومع التراجع المحتمل لالتزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي، فقد تجد روسيا نفسها في وضع أفضل لفرض هيمنتها على جيرانها الاستراتيجيين.
ولا يبدو أن الصين سترحب بعودة ترامب. وكانت سياساته السابقة عدوانية للغاية على الجبهة الاقتصادية. وفي فترة ولايته الجديدة، قد نشهد تصعيداً في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وهذا بدوره قد يثير توترات من شأنها أن تؤثر على الاقتصاد العالمي حيث يفضل ترامب التركيز على فرض عقوبات اقتصادية وتشديد الرقابة على التقنيات الحساسة.
وفي الشرق الأوسط، يُعتبر ترامب صانعاً للصفقات، مما يجعله غير قابل للتنبؤ به. ومن المتوقع أن يسعى إلى تعزيز علاقاته مع حلفائه التقليديين في المنطقة، خاصة في المعسكر العربي المعتدل.
كما ستشهد المنطقة عودة إلى اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل، مما سيساعد على وضع حد للأزمات المستمرة في المنطقة، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة أو اليمن أو غيرها.
وسوف تكون إيران في موقف صعب، حيث يدرك قادتها أن عودة ترامب قد تعني المزيد من الضغوط والعقوبات، وربما التهديدات العسكرية التي تعرض برنامجها النووي للخطر. لكن طهران ستظل محكومة بالاعتبارات الواقعية لتوازن القوى العسكري والاقتصادي. وهذا قد يضطرها إلى تقديم بعض التنازلات التكتيكية، ولكن من دون المساس بجوهر مشروعها الإقليمي، وخاصة دعمها لوكلاء إقليميين في العراق وسوريا ولبنان.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تدفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في تحالفاتها الإقليمية، وقد تشهد المرحلة المقبلة ظهور تكتلات وتحالفات جديدة تهدف إلى معالجة المخاوف بشأن استقرار النظام العالمي.
سيواجه ترامب التحدي المتمثل في الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا. ومن المرجح أن يميل نحو سياسات تقوم على إبرام الصفقات وإقامة تحالفات تكتيكية، وهو ما قد يزيد من الشكوك الدولية.
ويمثل فوز ترامب فرصة ذهبية لإعادة النظر في الدور الأميركي على الساحة الدولية. وهو يشكل أيضاً تحدياً كبيراً في عالم أقل استقراراً وأكثر انقساماً على نحو متزايد، وبالتالي يخلق المزيد من الاستقطاب والتقلب في العلاقات الدولية.
برؤيته الفريدة وأسلوبه غير التقليدي، قد يتمكن ترامب من انتزاع العديد من الإنجازات الفعالة، وإذا تمكن من إعادة الولايات المتحدة إلى “عظمتها” كما وعد، فإن هذه “العظمة” ستأتي حتما بثمن باهظ عالميا، حيث يترك بصمته على العلاقات والتحالفات المتحولة بطريقة يصعب التنبؤ بها.