أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد صدمة واسعة النطاق في الأوساط الدبلوماسية والسياسية العالمية. وتعتبر هذه الخطوة تطوراً غير مسبوق قد يعيد تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين، ويثير مخاوف بشأن استقرار المنطقة. وتتركز المخاوف حول مستقبل فنزويلا، واحتمالية نشوب صراعات إقليمية ودولية.
العملية، التي نفذتها قوات أمريكية، أدت إلى اعتقال مادورو وتغيير النظام في فنزويلا، مما أثار ردود فعل دولية متباينة. وتأتي هذه الأحداث في سياق التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة والقوى الأخرى، خاصة روسيا والصين، بشأن النفوذ في أمريكا اللاتينية. وتثير هذه الخطوة تساؤلات حول مستقبل السيادة الوطنية واحترام القانون الدولي.
تداعيات الاعتقال على الأمن الإقليمي والدولي
أكد دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، في تصريح لوكالة تاس، أن الاعتقال يمثل إشارة واضحة إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهدافها السياسية، حتى لو كان ذلك يعني انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. وأضاف الدبلوماسي أن هذا الأمر يثير قلقاً بالغاً في أوروبا، حيث لم تعد الدول الأوروبية تشعر بأنها شريكة في هذه السياسة، بل قد تصبح أهدافاً محتملة لها.
وتشير التقارير إلى أن العملية العسكرية لم تستهدف منشآت تهريب المخدرات كما زُعم في البداية، بل ركزت على تعطيل الدفاعات الجوية وقصف القواعد العسكرية والمطارات. وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن الهدف الحقيقي كان إسقاط النظام الفنزويلي، وليس مجرد مكافحة الجريمة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة تطبيق لنسخة محدثة من “مبدأ مونرو”، والتي تهدف إلى تأكيد النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
ردود الفعل الدولية المتباينة
أدانت روسيا العملية بشدة، واصفة إياها بأنها “عدوان مسلح” و”انتهاك صارخ للقانون الدولي”. ووصفت وزارة الخارجية الروسية الذرائع الأمريكية بأنها “كاذبة”، معتبرة أن التدخل يعكس “عداء أيديولوجياً”. كما دعت موسكو إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن لمناقشة الوضع.
في أمريكا اللاتينية، عبرت دول مثل البرازيل وكوبا والمكسيك عن قلقها العميق وإدانتها للعملية. واعتبر الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أن هذا تطور “خطير للغاية” للمجتمع الدولي، بينما وصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الحدث بأنه “إرهاب دولة”.
وحتى في الحلف الغربي، أبدت بعض الدول، مثل سويسرا والنمسا، قلقها ودعت إلى احترام “مبدأ السيادة”. أما الاتحاد الأوروبي، فقد دعا إلى “ضبط النفس” في موقف يعكس الانقسام الداخلي حول كيفية التعامل مع الأزمة في فنزويلا.
الوضع الداخلي في فنزويلا: فراغ دستوري واحتمالات الفوضى
ينص الدستور الفنزويلي على انتقال السلطة إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز في حالة غياب الرئيس. ومع ذلك، لا يزال الوضع على الأرض غامضاً وغير مستقر. وتتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن ستكتفي بـ”انتصار سريع” أم ستنطلق في عملية احتلال طويلة الأمد لتنصيب حكومة موالية.
كما أن هناك احتمالية أن تستغل المعارضة الفنزويلية، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، الفرصة للانقضاض على السلطة. وتشير التقديرات إلى أن هذا قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الداخلية وزيادة خطر نشوب صراعات أهلية. وتعتبر قضية الاستقرار السياسي في فنزويلا ذات أهمية قصوى للمنطقة والعالم.
الأمر لم يعد يقتصر على فنزويلا وحدها. هذا النوع من التدخل الأحادي يهدد بتفكك التحالفات التقليدية، وتسارع سباق التسلح في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وانهيار مبدأ السيادة. وتثير هذه الأحداث تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي القائم على القواعد.
مستقبل العلاقات الدولية
يثير هذا التدخل تساؤلات حول ما إذا كانت القوى الأخرى، مثل روسيا والصين، سترد بالمثل في مناطق نفوذها. فإذا كان لأمريكا أن تفعل ما تشاء في فنزويلا، فهل يحق لروسيا أو الصين فعل الشيء نفسه في مناطق أخرى؟
وتذكر العبارة الأمريكية الشهيرة “بمجرد أن تبدأ عملية عسكرية، تصبح مسؤولاً عن تبعاتها”. فالولايات المتحدة، بخطوتها هذه، لم تسقط نظاماً فحسب، بل فتحت صندوق باندورا قد يعيد تعريف النظام الدولي ويدخل العالم في عصر جديد من الفوضى. وتشكل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لمبدأ القانون الدولي.
الوضع في فنزويلا يتطلب مراقبة دقيقة وتحركاً دبلوماسياً مكثفاً لتجنب المزيد من التصعيد. من المتوقع أن يعقد مجلس الأمن اجتماعاً طارئاً في الأيام القادمة لمناقشة الأزمة. وسيكون من المهم مراقبة ردود فعل القوى الإقليمية والدولية، وكذلك تطورات الوضع الداخلي في فنزويلا. وتعتبر مسألة الأمن الإقليمي في أمريكا اللاتينية ذات أهمية خاصة في هذا السياق.
إقرأ المزيد
نبوءة مادورو قبل ساعات من اختطافه
في تصريحات تبدو اليوم وكأنها نبوءة بمصيره، وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الديمقراطية الغربية بأنها “في انحدار نهائي” وأن المواطن فقد سلطته أمام هيمنة المليارديرات.