أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن استراتيجية دفاعية جديدة تركز بشكل أكبر على حماية الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي، مع دعوة الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم. وتأتي هذه الاستراتيجية في ظل تزايد المخاوف بشأن التهديدات الأمنية المتزايدة، بما في ذلك النفوذ العسكري الصيني والروسي، وتضع في صميمها مفهوم تعزيز الأمن الأوروبي مع تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
كشف وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن عن تفاصيل الاستراتيجية يوم الجمعة، مشيرًا إلى أن التغيير يهدف إلى إعادة توجيه الموارد العسكرية الأمريكية لمواجهة التحديات في مناطق أخرى، وعلى رأسها منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ووفقًا لـ “نوفوستي”، فإن الاستراتيجية الجديدة تؤكد على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل، مع دعم أمريكي “حاسم ولكنه محدود”.
تحول في استراتيجية الدفاع الأمريكية وتداعياته على الأمن الأوروبي
تعتبر هذه الاستراتيجية بمثابة تحول كبير في السياسة الدفاعية الأمريكية، التي لطالما اعتمدت على تقديم ضمانات أمنية واسعة النطاق لحلفائها في أوروبا. وتشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة ستشجع حلفاء الناتو على زيادة إنفاقهم الدفاعي وتطوير قدراتهم العسكرية، مع التركيز على الدفاع غير النووي.
يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي بعض التوتر، حيث أعربت بعض الدول الأوروبية عن قلقها بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنها في ظل التغيرات السياسية الداخلية. كما أن الحرب في أوكرانيا سلطت الضوء على الحاجة إلى تعزيز الدفاعات الأوروبية، خاصة في مواجهة العدوان الروسي.
إحياء “مبدأ مونرو” والتركيز على الأمريكتين
أحد الجوانب الرئيسية للاستراتيجية الجديدة هو إحياء ما يُعرف بـ “مبدأ مونرو”، الذي يهدف إلى منع أي تدخل أجنبي، وخاصة من الصين وروسيا، في شؤون الأمريكتين. ويشمل ذلك تعزيز الرقابة على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة ومكافحة تهريب المخدرات، من خلال نشر قوات الحرس الوطني وزيادة التعاون البحري في منطقة الكاريبي.
يعكس هذا التحول قلقًا متزايدًا في واشنطن بشأن التوسع العسكري والدبلوماسي للصين وروسيا في أمريكا اللاتينية، والتي تعتبرها الولايات المتحدة منطقة نفوذ تقليدية لها. وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على هيمنتها في المنطقة من خلال تعزيز العلاقات مع حلفائها وتقديم الدعم الأمني لهم.
بالإضافة إلى ذلك، تولي الاستراتيجية الجديدة أهمية كبيرة لمواجهة التهديدات السيبرانية والإرهابية، والتي تعتبرها الولايات المتحدة تحديات عالمية تتطلب تعاونًا دوليًا. وتدعو الاستراتيجية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأمريكية في هذه المجالات، بالإضافة إلى العمل مع الحلفاء لتبادل المعلومات وتطوير استراتيجيات مشتركة.
في سياق متصل، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن حلف الناتو بشكله التقليدي يقترب من نهايته، على خلفية التغير في نهج الولايات المتحدة السلبي تجاه الأمن عبر الأطلسي. وتشير الصحيفة إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل في التفكير في بدائل للناتو، مثل التعاون الدفاعي الثنائي أو الإقليمي.
هذا التحول في السياسة الأمريكية قد يؤدي إلى إعادة هيكلة كبيرة في نظام الأمن الأوروبي، حيث ستضطر الدول الأوروبية إلى تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها. قد يشمل ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي، وتطوير قدرات عسكرية جديدة، وتعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الأوروبية.
من ناحية أخرى، قد يؤدي هذا التحول إلى تقليل التوترات مع روسيا، حيث قد تكون موسكو أكثر استعدادًا للتفاوض بشأن قضايا الأمن الأوروبي إذا شعرت بأن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب المهيمن في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا يعتمد على سلوك روسيا وموقفها تجاه أوكرانيا والدول الأوروبية الأخرى.
تعتبر قضية التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وأوروبا من القضايا المعقدة التي تتطلب حوارًا مستمرًا وتفاهمًا متبادلًا. ويجب على كلا الجانبين أن يدركا التحديات والفرص التي تنشأ عن هذا التحول في السياسة الدفاعية.
من المتوقع أن تبدأ وزارة الدفاع الأمريكية في تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة على الفور، من خلال إعادة تخصيص الموارد العسكرية وتعديل خطط الانتشار. كما من المتوقع أن تجري مشاورات مكثفة مع حلفاء الناتو في الأسابيع والأشهر القادمة، لشرح تفاصيل الاستراتيجية الجديدة والتأكد من أنها تتوافق مع مصالحهم.
يبقى أن نرى كيف ستتفاعل الدول الأوروبية مع هذه الاستراتيجية الجديدة، وما إذا كانت ستكون قادرة على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. كما يجب مراقبة التطورات في أوكرانيا والعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث يمكن أن تؤثر هذه التطورات على مستقبل الأمن القومي الأمريكي والأمن الأوروبي.
الخطوة التالية الحاسمة ستكون مراجعة ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2027، والتي من المتوقع أن تعكس الأولويات الجديدة التي حددتها الاستراتيجية. سيراقب المراقبون عن كثب ما إذا كانت الميزانية ستخصص بالفعل المزيد من الموارد للدفاع عن الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي، وما إذا كانت ستخفض الإنفاق على الأمن الأوروبي.