كشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة، والتي تحدد أولويات الأمن القومي للولايات المتحدة في السنوات القادمة. وأكد وزير الدفاع لويد أوستن، في بيان رسمي، أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى مواجهة التحديات المتزايدة في عالم يشهد تحولات جيوسياسية سريعة، مع التركيز بشكل خاص على المنافسة مع الصين وروسيا.
الوثيقة الجديدة، التي نُشرت يوم الجمعة، تحدد بشكل واضح أن الدفاع عن الوطن واحتواء الصين هما الأولوية القصوى للولايات المتحدة، متجاوزةً بذلك التركيز التقليدي على أوروبا. وتأتي هذه الاستراتيجية بعد أسابيع قليلة من نشر البيت الأبيض لاستراتيجية الأمن القومي، مما يؤكد تحولاً ملحوظاً في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي.
استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية: تحول في الأولويات
تُمثل هذه الاستراتيجية تحولاً كبيراً في التفكير الدفاعي الأمريكي، حيث تشير إلى تقليص محتمل للالتزامات العسكرية الأمريكية في مناطق مثل أوروبا وكوريا الجنوبية. ووفقاً للوثيقة، يجب على الحلفاء في هذه المناطق تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم الخاص. يأتي هذا التوجه في ظل تزايد المخاوف بشأن التوسع العسكري الصيني وتأثيره المحتمل على المصالح الأمريكية.
التركيز على الصين وروسيا
تصف الاستراتيجية الصين بأنها “التحدي الأكبر” الذي تواجهه الولايات المتحدة، مع التأكيد على ضرورة ردع بكين من خلال بناء قدرات دفاعية قوية في المحيطين الهندي والهادئ. لكن الوثيقة تستبعد أي سياسة تهدف إلى تغيير النظام في الصين أو الدخول في صراع مفتوح معها.
أما بالنسبة لروسيا، فقد وصفتها الاستراتيجية بأنها “تهديد دائم” للجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو). ومع ذلك، تشير الوثيقة إلى أن مسؤولية التعامل مع التهديد الروسي في أوكرانيا تقع بشكل أساسي على عاتق الدول الأوروبية.
أمن الحدود ومكافحة المخدرات
تولي الاستراتيجية الجديدة أهمية كبيرة لأمن الحدود الجنوبية للولايات المتحدة ومكافحة تهريب المخدرات. وتدعو إلى تعزيز الرقابة على الحدود ونشر قوات الحرس الوطني والأصول البحرية في منطقة الكاريبي لتحقيق هذا الهدف. ويعتبر هذا الجانب جزءاً من مفهوم أوسع نطاقاً لـ “الدفاع عن الوطن” الذي يشمل تأمين الأجواء ومنع “الإرهاب المتعلق بالمخدرات”.
تعزيز الصناعة الدفاعية
تؤكد الاستراتيجية على ضرورة تعزيز الصناعة الدفاعية الأمريكية من خلال تسريع إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية الحيوية، مثل الغواصات والذخائر وأنظمة الدفاع السيبراني المتقدمة (Zero Trust). يهدف هذا إلى ضمان قدرة الولايات المتحدة على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة والحفاظ على تفوقها العسكري.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة لن تسمح لطهران بامتلاك أسلحة نووية، مما يعكس استمرارها في اتباع سياسة صارمة تجاه البرنامج النووي الإيراني. وتدعو الاستراتيجية حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك كوريا الجنوبية والدول في أوروبا والشرق الأوسط، إلى تحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع عن أنفسهم.
وتشير التقارير إلى أن البنتاغون سيعمل على تطوير أنظمة متخصصة لمواجهة الطائرات بدون طيار، والتي أصبحت تشكل تهديداً متزايداً في ساحات القتال الحديثة. هذا التوجه يعكس الاعتراف بأهمية التكنولوجيا في الحرب الحديثة والحاجة إلى تطوير قدرات مضادة للطائرات بدون طيار.
هذا التحول في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، ودور الولايات المتحدة في الأمن الأوروبي. كما أنه يضع ضغوطاً إضافية على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي وتطوير قدراتهم العسكرية.
من المتوقع أن يبدأ البنتاغون في تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة على الفور، مع التركيز على إعادة تخصيص الموارد وتحديد الأولويات. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالفات قوية مع الحلفاء في جميع أنحاء العالم، وعلى استعداد هذه الدول لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الخاص. سيراقب المراقبون عن كثب ميزانية الدفاع الأمريكية القادمة لمعرفة مدى التزام الإدارة بتنفيذ هذه التغييرات، وكيف ستؤثر على التوازن العسكري العالمي.