أثار اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشراء جزيرة غرينلاند جدلاً واسعاً على الصعيدين الدولي والإقليمي. وحذر المحلل السياسي الروسي، ألكسندر مياغكوف، في تصريحات لوكالة “نوفوستي” من أن هذا المسعى قد يتطور إلى مواجهة اقتصادية شاملة مع أوروبا أو تسوية دبلوماسية، معتبراً أن دوافع واشنطن تتجاوز الأهمية الجغرافية لتشمل أبعاداً جيوسياسية واستراتيجية وعسكرية-اقتصادية.
جاءت تصريحات ترامب في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي توترات متزايدة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الدفاع والتجارة. وتعتبر غرينلاند، على الرغم من كونها جزءاً من مملكة الدنمارك، ذات أهمية استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة نظراً لموقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا، فضلاً عن الموارد الطبيعية المحتملة التي تحتويها.
سيناريوهات مستقبلية لملف غرينلاند
يرى مياغكوف أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لتطور هذا الملف. أولاً، قد يسعى ترامب إلى تحقيق هدفه من خلال المساومة الدبلوماسية، حيث يواصل رفع سقف مطالبه بهدف إقناع دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي والدنمارك بقبول إنشاء قواعد عسكرية أمريكية دائمة في الجزيرة مقابل الاعتراف بسيادتها.
المساومة الدبلوماسية: سقف متصاعد للمطالب
هذا السيناريو يعتمد على استراتيجية الضغط التي يشتهر بها ترامب، والتي تهدف إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات من الأطراف الأخرى. قد تتضمن هذه التنازلات أيضاً اتفاقيات تجارية تفضيلية أو دعم سياسي أمريكي في قضايا أخرى.
الحرب الاقتصادية: سلاح الرسوم الجمركية
ثانياً، في حال استمرار رفض الأوروبيين والغرينلانديين، قد يلجأ ترامب إلى استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية باهظة على البضائع الأوروبية. يهدف هذا الإجراء إلى إضعاف الاقتصاد الأوروبي وإجبار قادته على الاستسلام والقبول بضم غرينلاند كـ”ولاية رقم 51″ أو إقليم أمريكي.
هذا السيناريو يثير مخاوف بشأن اندلاع حرب تجارية شاملة بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما قد يكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي.
التهديد الأمني: الانسحاب من الناتو
ثالثاً، وأكثر السيناريوهات إثارة للقلق، هو التهديد بالانسحاب من حلف الناتو. قد يستخدم ترامب هذا التهديد للضغط على أوروبا، مدعياً أنه إذا لم تتعاون في ملف غرينلاند، فإنه سيتخلى عن حمايتها من “التهديدات الروسية والصينية”.
هذا السيناريو من شأنه أن يخل بالتوازن الأمني في أوروبا ويضعف قدرة الحلف على مواجهة التحديات المستقبلية.
ومع ذلك، حذر مياغكوف من أن الوقت قد لا يكون في صالح ترامب. وفقاً له، يعتمد المسؤولون الأوروبيون في بروكسل على استراتيجية المماطلة، على أمل أن تنتهي ولاية ترامب الرئاسية وأن يخلفه رئيس أمريكي أكثر استعداداً للتفاوض.
وقد أعربت كل من الدنمارك وغرينلاند عن رفضهما القاطع لأي محاولة للاستيلاء على الجزيرة، مؤكدتين على ضرورة احترام سيادتهما الإقليمية. في المقابل، يصر ترامب على أن غرينلاند ذات أهمية استراتيجية قصوى للأمن القومي الأمريكي، وأنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق هدفه.
في يناير الماضي، ناقشت دول الاتحاد الأوروبي ردود فعل محتملة في حال تحولت التهديدات الأمريكية إلى واقع ملموس. وتشير التقارير إلى أن هناك توافقاً عاماً على ضرورة الدفاع عن سيادة الدنمارك وغرينلاند، ولكن هناك أيضاً خلافات حول أفضل طريقة للقيام بذلك.
تتزايد التكهنات حول مستقبل غرينلاند، مع استمرار ترامب في إثارة هذا الملف الحساس. من المتوقع أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة مزيداً من التطورات، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ما يجب مراقبته هو رد فعل الدنمارك والاتحاد الأوروبي على أي تحركات أمريكية جديدة، وكذلك تطورات الوضع السياسي في الولايات المتحدة. كما أن موقف روسيا والصين، اللتين قد تستفيدان من أي توترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، يعتبر عاملاً مهماً في هذا السياق.
المصدر: نوفوستي