شهدت العديد من المدن الألمانية حملة تنظيف واسعة النطاق شارك فيها آلاف الشباب المسلمين في ليلة رأس السنة، وذلك في مبادرة تهدف إلى تعزيز الانخراط الاجتماعي وإظهار المساهمة الإيجابية للمجتمع الإسلامي. وقد اكتسبت هذه الحملة زخمًا أكبر هذا العام، معتبرة رسالة سياسية واضحة في ظل الجدل الدائر حول قضايا الهجرة والتكامل. وتأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه ألمانيا نقاشات حول دور المهاجرين في المجتمع.
حملة تنظيف رأس السنة: رسالة إيجابية من الشباب المسلمين
بدأت حملة تنظيف رأس السنة في ألمانيا منذ حوالي ثلاثة عقود، لكنها تكتسب أهمية خاصة هذا العام. وذلك في أعقاب تصريحات أدلى بها وزير الداخلية الألماني، هيربيرت ميرتس، حول التحديات المتعلقة بالهجرة والتكامل. مشاركة الشباب المسلمين في هذه الحملة تُظهر التزامهم بالمجتمع الألماني ورغبتهم في المساهمة بشكل بناء.
مبادرة الأحمدية الإسلامية
تقود جماعة الأحمدية الإسلامية واتحادها الشبابي هذه المبادرة في العديد من المدن الألمانية. وتضع الجماعة السعي إلى السلام والانخراط الاجتماعي في صميم أولوياتها. وفقًا لإمام مسجد السيدة خديجة في برلين-بانكوف، شرجيل خالد، فإن هذه المبادرة تهدف إلى “الابتعاد عن الجدل الذي يُثير الإشكاليات حول المسلمين” وإبراز الدور الإيجابي الذي يلعبه الشباب المسلم في المجتمع.
وأضاف الإمام خالد أن نحو 20 ألف شاب ينتمون إلى شباب الأحمدية في ألمانيا، وقد شارك حوالي 10 آلاف منهم في الحملة على مدار السنوات الماضية. وقد تمكنوا من جمع والتخلص من حوالي 3300 كيس من القمامة في 240 مدينة ألمانية. هذا الجهد يعكس التزامهم بالنظافة العامة والمساهمة في تحسين البيئة الحضرية.
في برلين وحدها، شارك حوالي 100 شاب في حملة التنظيف هذا العام، حيث جمعوا 150 كيسًا من القمامة. وركزت جهودهم بشكل خاص على شارع زوننآليه في حي نويكولن، الذي غالبًا ما يكون مركزًا للاحتفالات الصاخبة في ليلة رأس السنة. وفقًا للإمام خالد، كانت كمية النفايات في هذا الشارع أقل من المتوقع، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قرار الشرطة بحظر الألعاب النارية في أجزاء منه.
تصريحات ميرتس والجدل الدائر
جاءت هذه المبادرة بعد تصريحات للمستشار ميرتس في أكتوبر الماضي، أشار فيها إلى أن الحكومة الاتحادية تعمل على معالجة أوجه القصور في سياسة الهجرة، لكنه اعترف في الوقت نفسه بوجود “مشكلة” في المشهد العام للمدن. لم يحدد ميرتس في البداية المقصود بتصريحاته، مما أثار جدلاً واسعًا وتفسيرات متباينة.
لاحقًا، أوضح ميرتس أنه كان يشير إلى المهاجرين الذين لا يتمتعون بوضع إقامة دائم ولا يعملون، والذين لا يلتزمون بالقواعد السارية في ألمانيا. ومع ذلك، فقد اعترف مؤخرًا بضرورة أن يكون أكثر وضوحًا في تشخيصه للمشكلة، قائلاً إنه “ربما كان ينبغي عليّ أن أوضح في وقت أبكر ما الذي أعنيه تحديدًا بذلك”. هذه الاعترافات تثير تساؤلات حول كيفية تعامل الحكومة مع قضايا التكامل والهجرة.
يرى مراقبون أن حملة تنظيف رأس السنة، رغم أهميتها البيئية والاجتماعية، تحمل بعدًا سياسيًا ضمنيًا. فهي تمثل رد فعل على الخطاب السلبي الذي يحيط بالمجتمع الإسلامي في ألمانيا، وجهدًا لإظهار أن المسلمين جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الألماني ومساهمون فعالون في بنائه. كما أنها تعكس رغبة الشباب المسلم في الدفاع عن هويتهم وقيمهم من خلال العمل الإيجابي والملموس.
في العام الماضي، كانت هناك تقارير عن أعمال شغب وإتلاف ممتلكات في بعض المدن الألمانية خلال احتفالات رأس السنة. ووجهت اتهامات لبعض المجموعات، بما في ذلك بعض الشباب ذوي الخلفيات المهاجرة، بالتورط في هذه الأعمال. وقد ساهمت هذه الأحداث في تأجيج المشاعر المعادية للمهاجرين وتعزيز الخطاب اليميني المتطرف.
تأتي هذه الحملات أيضًا في سياق أوسع من النقاش حول الاندماج الاجتماعي في ألمانيا. فالحكومة الألمانية تسعى جاهدة لتعزيز الاندماج من خلال برامج تعليمية وتدريبية، وتشجيع المشاركة السياسية والاجتماعية للمهاجرين. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة في هذا المجال، مثل التمييز العنصري والصعوبات اللغوية والثقافية.
من المتوقع أن تستمر هذه المبادرات في السنوات القادمة، وأن تشهد زيادة في عدد المشاركين والمدن التي تغطيها. ويرى المنظمون أن هذه الحملة يمكن أن تكون نموذجًا ناجحًا للانخراط الاجتماعي وتعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة. من الجدير بالمتابعة أيضًا ردود الفعل الحكومية تجاه هذه المبادرة، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير في سياسات الهجرة والتكامل. ويبقى تقييم تأثير هذه الحملة على الرأي العام وقدرتها على معالجة التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمع الإسلامي في ألمانيا أمرًا بالغ الأهمية.