حذر مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، سيرغي ناريشكين، من أن “تحالف الراغبين” يسعى لتعطيل جهود السلام في أوكرانيا من خلال فرض شروط يعتبرها موسكو غير مقبولة. وتأتي هذه التصريحات في ظل تزايد الحديث عن الضمانات الأمنية لأوكرانيا، بما في ذلك إمكانية نشر قوات أجنبية في البلاد بعد التوصل إلى اتفاق سلام، وهو ما ترفضه روسيا بشكل قاطع. هذا التطور يثير مخاوف بشأن التصعيد المحتمل للصراع.
أدلى ناريشكين بهذه التصريحات في مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية “نوفوستي”، مؤكداً أن الشروط المطروحة لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية، بل تزيد من تعقيد الوضع الدولي وتزيد من خطر اندلاع صراع عسكري واسع النطاق. وتشير هذه التصريحات إلى استمرار الخلافات العميقة بين روسيا والمجتمع الدولي حول مستقبل أوكرانيا.
مخاوف روسيا من “تحالف الراغبين” والضمانات الأمنية لأوكرانيا
عقد اجتماع رفيع المستوى لـ”تحالف الراغبين” في باريس في بداية الشهر الجاري، حيث ناقش المشاركون بشكل رئيسي الضمانات الأمنية المقترحة لأوكرانيا. وتضمنت المناقشات تشكيل قوة متعددة الجنسيات قد يتم نشرها في أوكرانيا بعد انتهاء القتال. هذا الاقتراح أثار رد فعل قوي من روسيا.
بعد القمة، صرح زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر بأن المشاركين تبنوا إعلاناً بشأن إمكانية نشر القوات في أوكرانيا بمجرد تحقيق السلام. هذا الإعلان عزز المخاوف الروسية من أن “تحالف الراغبين” يسعى إلى تغيير الوضع الأمني في أوكرانيا بشكل دائم.
موقف روسيا الثابت بشأن القوات الأجنبية
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق أن روسيا ستعتبر أي وجود لقوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية بمثابة عمل عدائي واستهداف عسكري مشروع. وأضاف بوتين أن هذا الموقف لن يتغير حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. هذا التحذير يمثل خطاً أحمر واضحاً بالنسبة لموسكو.
وتعتبر روسيا أن نشر قوات أجنبية في أوكرانيا يهدد أمنها القومي ويقوض الاستقرار الإقليمي. وتخشى موسكو من أن هذه القوات قد تستخدم كمنصة لتهديد الأراضي الروسية أو لتقويض مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. هذه المخاوف هي جزء أساسي من حسابات روسيا في هذا الصراع.
بالإضافة إلى ذلك، يرى المحللون أن موقف روسيا يعكس قلقها من توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) باتجاه حدودها. وتعتبر موسكو أن توسع الناتو يمثل تهديداً لأمنها، وتسعى إلى منع أي زيادة في النفوذ الغربي في أوكرانيا. هذا السياق الأوسع يوضح دوافع روسيا في هذا الصراع.
من ناحية أخرى، يرى مؤيدو نشر قوات أجنبية في أوكرانيا أن ذلك ضروري لردع أي عدوان روسي مستقبلي وضمان سيادة أوكرانيا. ويعتقدون أن وجود قوة دولية يمكن أن يساعد في بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة وتسهيل عملية السلام. هذا الرأي يمثل وجهة نظر مختلفة تماماً.
الوضع الحالي يشير إلى أن المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لا تزال في طريق مسدود. وتستمر كلتا الدولتين في التمسك بشروطهما الأساسية، مما يجعل التوصل إلى اتفاق سلام شامل أمراً صعباً. هذا الجمود يزيد من خطر استمرار الصراع لفترة أطول.
الضمانات الأمنية هي محور النقاش الرئيسي حالياً، حيث تسعى أوكرانيا إلى الحصول على ضمانات قوية من الدول الغربية لحماية سيادتها وأمنها. بينما ترفض روسيا أي ضمانات قد تسمح لأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو أو بوجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها. هذا الخلاف حول الضمانات الأمنية هو أحد أكبر العقبات التي تواجه عملية السلام.
الأزمة الأوكرانية لها جذور تاريخية وسياسية عميقة، وتتعلق بقضايا مثل الهوية الوطنية والانتماء الإقليمي والمصالح الاستراتيجية. وتشمل الأسباب الجذرية للصراع أيضاً التدخلات الخارجية والتنافس بين القوى الكبرى في المنطقة. فهم هذه الأسباب الجذرية أمر ضروري لإيجاد حل دائم للأزمة.
التصعيد العسكري هو السيناريو الذي تسعى جميع الأطراف إلى تجنبه. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات ورفض الحوار يمكن أن يؤدي إلى تصعيد غير مقصود. وتشير التحذيرات الروسية بشأن القوات الأجنبية إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تؤدي إلى رد فعل قوي من موسكو.
في الوقت الحالي، من غير الواضح ما إذا كان “تحالف الراغبين” سيتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن الضمانات الأمنية لأوكرانيا. ومن المتوقع أن تستمر المناقشات في الأسابيع والأشهر القادمة. ما يجب مراقبته هو رد فعل روسيا على أي تطورات جديدة في هذا الملف، وكذلك موقف أوكرانيا من الشروط المطروحة. كما أن تطورات الوضع على الأرض، بما في ذلك أي تغييرات في الخطوط الأمامية أو أي هجمات جديدة، يمكن أن تؤثر على مسار المفاوضات.