Connect with us

Hi, what are you looking for?

اخر الاخبار

يتحول الصراع في السودان من ساحة المعركة إلى قاعة المحكمة حيث تتبادل الأطراف المتحاربة الاتهامات

الخرطوم

لم يعد الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يقتصر على ساحات القتال أو شوارع المدن التي مزقتها الحرب؛ وانتقلت الآن إلى قاعات المحاكم الدولية. ويسعى كل طرف إلى تحميل الآخر مسؤولية الجرائم والانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الصراع في أبريل/نيسان 2023.

ويعكس هذا التحول من غبار القتال إلى أروقة العدالة مرحلة جديدة من المواجهة، مرحلة تتجاوز البعد العسكري لتفتح معركة قانونية ودبلوماسية معقدة قد تحدد مستقبل الأطراف المتحاربة.

وكشفت مصادر دبلوماسية في لاهاي أن مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية تلقى مؤخراً ملفاً يتهم الجيش السوداني بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين، مشيرة إلى أنه يتلقى دعماً خارجياً من دول إقليمية وجماعات مسلحة غير حكومية.

تم إعداد الملف من قبل تحالف من الخبراء القانونيين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية. ويضع قيادة الجيش والسلطات المتمركزة في بورتسودان تحت الاتهام المباشر ويدعو إلى فتح تحقيق رسمي بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي.

من جانبها، لم تفلت قوات الدعم السريع من الملاحقة القانونية. أعلن التجمع السوداني للدفاع عن الحريات والحقوق وهيئة محامي دارفور، استعدادهما لتقديم المساعدة القانونية لضحايا الانتهاكات المرتكبة في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي حوصرت منذ أكثر من 500 يوم قبل أن تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

وأكد بيان مشترك للهيئتين أن المدنيين تعرضوا خلال هذه الفترة لأبشع أشكال الانتهاكات، التي تراوحت ما بين التجويع والتعذيب والاختطاف، إلى الإجبار على تناول أعلاف الحيوانات وأوراق الأشجار وبقايا الحيوانات النافقة.

وتضاف هذه الشهادات، التي وثقتها منظمات محلية ودولية، إلى تقارير الأمم المتحدة التي تشير إلى ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم واسعة النطاق، بما في ذلك القتل الجماعي وتصفية المرضى في المستشفيات واحتجاز المدنيين للحصول على فدية واغتصاب النساء بعد سيطرتها على الفاشر في أكتوبر الماضي.

وبموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في عام 2005، تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بالولاية القضائية على الجرائم المرتكبة في دارفور، مما يمنح هذه الملفات وزناً قانونياً إضافياً.

أعلنت الحكومة السودانية رفضها القاطع لإحالة التحقيق في جرائم الفاشر إلى بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان.

ويأتي هذا الموقف وسط مخاوف لدى الجيش وحلفائه من إمكانية وصول جهود المساءلة إليهم. وقال وزير العدل في حكومة الأمر الواقع عبد الله ضرف، إن السودان لا يعترف بهذه البعثة منذ إنشائها في أكتوبر 2023، ولن يسمح لها بدخول البلاد.

وأضاف أن إجراءات مجلس حقوق الإنسان “غير ملزمة”، مؤكدا أن السيادة الوطنية تقتضي استشارة الدولة في مثل هذه الأمور، وأن السودان لديه آليات تحقيق وطنية قادرة على القيام بالمهمة.

ويعكس الموقف إصرار السلطات في بورتسودان على إدارة الملف داخليا بعيدا عن التدخلات الدولية. لكنه في الوقت نفسه يثير الشكوك حول جدية الآليات الداخلية في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، خاصة في ظل استمرار الحرب وتعقد المشهد السياسي.

ولم يقتصر الجدل على موقف الحكومة. وقد امتدت أيضًا إلى الساحة الدبلوماسية. انتقد سفير السودان لدى الاتحاد الأوروبي عبد الباقي الكبير موقف الاتحاد الأوروبي من أحداث الفاشر.

وأعربت مصادر دبلوماسية غربية عن قلقها من استمرار الانتهاكات، مؤكدة أن لا الجيش ولا قوات الدعم السريع أبدت أي مؤشر جدي على الاستعداد لتحقيق السلام الحقيقي.

وذكر مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية أن المبادرات الدولية لوقف الحرب تواجه عقبات كبيرة، وأن الأطراف المتحاربة تظل ملتزمة بالخيارات العسكرية، بعيداً عن أي تنازلات ذات معنى.

ويعيش المدنيون في السودان مأساة إنسانية غير مسبوقة. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف ونزح الملايين داخل البلاد وخارجها.

أصبحت مدينة الفاشر رمزاً لمعاناة دارفور، بعد أن عانت من حصار طويل أدى إلى انهيار الخدمات الأساسية، ونقص حاد في الغذاء والدواء، وانتشار المجاعة والمرض.

وتشير تقارير حقوق الإنسان إلى أن المدنيين في الفاشر اضطروا للجوء إلى وسائل بدائية للبقاء على قيد الحياة في ظل غياب الدعم الإنساني الكافي.

وتعكس هذه الصورة القاتمة حجم الكارثة التي تتكشف في السودان، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية للتدخل، سواء من خلال المحاكم أو من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي.

إن التحول من ساحات القتال إلى قاعات المحاكم لا يعني نهاية الحرب؛ بل هو امتداد له بوسائل أخرى. ويسعى كل جانب إلى استخدام القانون الدولي لتعزيز موقفه السياسي والعسكري.

ويحاول الجيش تصوير قوات الدعم السريع على أنها “ميليشيا” غير شرعية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، فيما تسعى قوات الدعم السريع إلى تحميل الجيش مسؤولية الانتهاكات وتصويره كسلطة فقدت شرعيتها.

السودان اليوم بلد محاصر بين حرب داخلية مدمرة، وضغوط دولية متصاعدة، وشعب منهك يبحث عن بصيص من الأمل.

وما لم تتخذ الأطراف خطوات جادة نحو السلام والمصالحة، فقد يجد السودان نفسه في مواجهة واقع أكثر قسوة، واقع تصبح فيه المحاكم الدولية ساحة جديدة للصراع، دون إنهاء معاناة المدنيين الذين ما زالوا يدفعون الثمن الباهظ.

اضف تعليقك

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

اخر الاخبار

وفي اجتماع ثلاثي في ​​طهران بين الصين والمملكة العربية السعودية، قام المسؤولون الإيرانيون بتصميم رقصات دبلوماسية دقيقة، سعياً للحصول على دعم بكين لإحياء التقارب...

اخر الاخبار

حصلت الفنانة الاسكتلندية نينا كالو على جائزة تيرنر يوم الثلاثاء، بعد أن تغلبت الفنانة المصابة بالتوحد على أربعة منافسين من بينهم رسام عراقي في...

اخر الاخبار

الأمم المتحدة (رويترز) – قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش يوم الثلاثاء إن الأمين العام يدين إحالة الحوثيين في اليمن بعضا...

اخر الاخبار

المونيتور هو وسيلة إعلامية حائزة على جوائز تغطي منطقة الشرق الأوسط، وتحظى بالتقدير لاستقلالها وتنوعها وتحليلها. ويقرأه على نطاق واسع صناع القرار في الولايات...

اخر الاخبار

يبدو أن Netflix قد فازت في حرب مزايدة استمرت لأسابيع مع Paramount وComcast، وحصلت على صفقة أسهم بقيمة 72 مليار دولار لشركة Warner Bros....

اخر الاخبار

عدن أعلنت الجماعة الانفصالية الجنوبية الرئيسية في اليمن سيطرتها على نطاق واسع في جميع أنحاء جنوب البلاد يوم الاثنين، بما في ذلك مدينة عدن...

اخر الاخبار

9 ديسمبر (كانون الأول) (رويترز) – وقع حاكم فلوريدا رون ديسانتيس أمرا تنفيذيا يصنف واحدة من أبرز جماعات الحقوق المدنية الإسلامية في البلاد، وهي...

اخر الاخبار

واشنطن كثفت ولاية فلوريدا حملة الجمهوريين المتزايدة لاستهداف جماعة الإخوان المسلمين، حيث صنف حاكمها رون ديسانتيس الحركة الإسلامية العابرة للحدود الوطنية ومجلس العلاقات الأمريكية...